جلسة 17 من يونيه سنة 1990

برئاسة السيد المستشار / جرجس إسحق نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين / محمد فتحى الجمهورى ، عبد الحميد الشافعى ، ( نائبى رئيس المحكمة ) ، محمود رضا الخضيرى وإبراهيم الطويلة.

236

الطعن رقم 1844 لسنة 52 القضائية :

تعويض . مسئولية " المسئولية عن النشر " .

حصانة النشر إقتصارها على الإجراءات القضائية العلنية والأحكام التى تعمل .... إمتدادها إلى التحقيقات الأولية أو الأدارية . علة ذلك . ليست علنية . أثره نشر وقائعها وما يتخذ بشأنها على مسئولية ناشرها . مادتان 189 ،190 عقوبات . حرية الصحفى لا تعد وحرية الفرد العادى ولا تتجاوزها – إلا بتشريع خاص . مؤدى ذلك تناول القضايا بالنشر فى مرحلة التحقيق الإبتدائى أو الأولى باعتبارها من الأحداث العامة ليس بالعمل المباح على إطلاقه وإنما محدد بالضوابط المنظمة له . مناطة المقومات الأساسية للمجتمع والحفاظ على الحريات والحقوق العامة .

المساس بالشرف والسمعة – متى ثبتت عناصره ضرب من ضروب الخطأ الموجب للمسئولية لا يشترط فيه أن يكون المعتدى سى النية بل يكفى أن يكون متسرعاً إذ فى التسرع إنحراف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد وهو ما يتوافر به هذا الخطأ – هذا إلى أن سوء النية ليس شرطاً فى المسئولية التقصيرية كما هو شرط فى المسئولية الجنائية .

دل الشارع بما نص عليه المادتين 189 ، 190 من قانون العقوبات على أن حصانة النشر مقصورة على الإجراءات القضائية العلنية والأحكام التى تصدر علنا ولا تمتد إلى التحقيق الإبتدائى ولا إلى التحقيقات الأولية أو الإدارية لأن هذه كلها ليست علنية إذ لا يشهدها غير الخصوم ووكلائهم ، فمن ينشر وقائع هذه التحقيقات أو ما يقال فيها أو ما يتخذ فى شأنها من ضبط وحبس وتفتيش وإتهام وإحالة إلى المحاكمة فإنما ينشر ذلك على مسئوليته إذ أن حرية الصحفى لا تعدو حرية الفرد العادى ولا يمكن أن تتجاوزها إلا بتشريع خاص ومن ثم فإنه يلتزم فيما ينشره بالمقومات الأساسية المنصوص عليها فى الدستور ، وأنه ولئن جاز للصحف وهى تمارس رسالتها بحرية فى خدمة المجتمع – تناول القضايا بالنشر فى مرحلة التحقيق الإبتدائى أو الأولى باعتبارها من الأحداث العامة التى تهم الرأى العام إلا أن ذلك ليس بالفعل المباح على إطلاقه وإنما هو محدد بالضوابط المنظمة له ومنها أن يكون النشر فى إطار المقومات الأساسية للمجتمع والحفاظ على الحريات والحقوق والوجبات العامة وأحترام حرية الحياة الخاصة للمواطنين وعدم الإعتداء على شرفهم وسمعتهم واعتبارهم أو إنتهاك محارم القانون .

ولما كان الواقع الثابت فى الدعوى أن الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه نشرت ما تناوله التحقيق الإبتدائى – فى مرحلة من مراحلة – عن توجيه الإتهام إلى الطاعنين معرفين باسميهما والافراج عنهما بضمان مالى وذلك قبل أن يتحدد موقفهما بصفة نهائية من هذه التحقيقات الجنائية ودون تريث إلى حين التصرف النهائى فيها وأن الطاعنين استنداً فى دعواهما على أن نشر هذا الخبر على هذه الصورة وبهذا التسرع تضمن مساسا بسمعتها ، وكان لا مراء فى أن المساس بالشرف والسمعة على هذا النحو – متى ثبتت عناصره – هو ضرب من ضروب الخطأ الموجب للمسئولية لا يشترط فيه أن يكون المعتدى سئ النية بل يكفى أن يكون متسرعا إذ فى التسرع إنحراف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد وهو ما يتوافر به هذا الخطأ هذا إلى أن سوء النية ليس شرطا فى المسئولية التقصيرية كما هو شرط فى المسئولية الجنائية ، فإن الحكم المطعون فيه إذ لم يلتزم هذا النظر واقام قضاءه برفض الدعوى على ما ذهب إليه من أن سرية التحقيق الإبتدائى وحظر إفشائه تقتصر على القائمين عليه والمتصلين به بسبب وظيفتهم أو مهنتهم – ولا تستطيل إلى الصحف طالما لم يثبت صدور قرار من جهة مختصة يحظر النشر ، وأن الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه إستعملت حقها المباح فى نشر الأخبار مستهدفة خدمة المصلحة العامة دون سوء نية أو قصد مؤثم ، وبالتالى فلا خطأ يمكن نسبته إليها ولا مسئولية عليها ، يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ، وقد حجية هذا الخطأ عن تناول موضوع الدعوى تناولا صحيحاً وإستظهار قيام التسرع وعدم التريث فى نشر الخبر المتعلق بإتهام الطاعنين معرفين بإسميهما وأثر ذلك على قيام ركن الخطأ المستوجب للحكم بالتعويض أو إنتفائه وهو – ما يعيبه ويوجب نقضه .

المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة .

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية .

وحيث إن الوقائع – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل فى أن الطاعنين أقاما ضد المطعون عليه الدعوى رقم 10260 سنة 1979 مدنى شمال القاهرة الإبتدائية بطلب الحكم بإلزامه أن يؤدى إلى كل منهما مبلغ 251 جنية تعويضاً مؤقتاً ، وقالا بيانا لذلك أنهما من قدامى العاملين بوزارة الأوقاف ثم الهيئة المصرية للأوقاف وقد شغل أولهما منصب وكيل الوزارة ومدير عام هيئة الأوقاف حتى بلغ سن الإحالة للمعاش فى سنة 1973 – وتقرير مدة خدمته لأكثر من مرة مع الإشادة بجهده وتفانية فى عمله ، كما أسند للثانى العديد من الوظائف الهامة حتى شغل منصب مدير إدارة الميزانية والحساب الختامى ثم منصب وكيل الإدارة العامة للشئون المالية والإدارية بالهيئة المذكورةإلى أن كانت التحقيقات التى أجرتها النيابة العامة فى القضية رقم 18 سنة 1976 حصر أموال عامة عليا المقيدة برقم 702 سنة 1977 جنايات الدقى بشأن ما نسب إلى رئيس مجلس إدارة الهيئة من وقائع إضرار بالمال العام ، وأيضا التى أجرتها النيابة الإدارية معه فى القضية رقم 4 سنة 1976 نيابة إدارية حيث تم سؤالهما فى تلك التحقيقات بصفتهما شاهدين ، وأنه وإن كانت النيابة العامة قد اتجهت فى مرحلة متقدمة من تحقيقاتها إلى محاولة إسناد بعض الإخطاء إلى كل منهما وأمرت بإخلاء سبيلهما بضمان مالى إلا أنها إنتهت بعد ذلك إلى استبعادهما من دائرة الإتهام باعتبارهما شاهدين كما انتهت تحقيقات النيابة الإدارية بإتهام رئيس مجلس إدارة الهيئة بمفرده والحفظ بالنسبة لمن عداه ، غير أنهما فوجئا بأن الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه نشرت بعددها الصادر يوم 29/11/1976 خبر تحت عنوان " إتهام وكيل وزارة ومدير ومراقب عام بالاشتراك فى تبديد أموال هيئة الأوقاف " ورد به أن رئيس نيابة الأموال العامة وجه إليهما تهمة الاشتراك فى تبديد أموال هيئة الأوقاف وتم الإفراد عن كل منهما بضمان 50 جنية وأن تحقيقات النيابة مع الإدارات المالية والحسابية والاستثمار والإستبدال بهيئة الأوقاف إنتهت على ضوء ما ورد لها من تقارير لجنة تقصى الحقائق بمجلس الشعب والرقابة الإدارية والجهاز المركز للمحاسبات وما استبان من مخالفات جسيمة لقانون إنشاء هيئة الأوقاف ، وإذ تضمن نشر هذا الخبر على هذه الصورة – فى مسألة كانت حينذاك قيد البحث والتحقيق لم يبت فيها مساساً بهما وأصابتهما من جرانه أضرار بالغة قد أقامت الدعوى ، وبتاريخ 29/4/1981 حكمت المحكمة بإلزام المطعون عليه أن يؤدى إلى كل من الطاعنين مبلغ 251 جنية تعويضاً مؤقتاً . إستأنف المطعون عليه هذا الحكم لدى محكمة إستئناف القاهرة بالإستئناف رقم 4263 سنة 98 ق ، وبتاريخ 22/4/1982 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض دعوى الطاعنين . طعن الطاعنان فى هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأى برفض الطعن وعرض الطعن على هذه المحكمة فى غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره وفيها إلتزمت النيابة رأيها .

وحيث إن الطعن أقيم على سبب واحد ينعى به الطاعنان – على الحكم المطعون فيه – الخطأ فى تطبيق القانون والقصور فى التسبيب وفى بيان ذلك يقولان أنهما أقاما طلباتهما فى الدعوى على أن قيام الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه بنشر الخبر المتعلق بهما متضمنا إتهامهما بإسميهما فى جريمة كانت وقائعها لا تزال قيد البحث والتحقق ودون – إنتظار البت نهائياص فى تحقيقاتها او صدور حكم بإدانتهما عنها ينطوى على تسرع وعدم تريث بما يتوافر به وصف الخطأ الموجب للمسئولية إلا أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه بإنتفاء الخطأ على قوله منه أن سرية التحقيق وحظر إنشائه تقتصر على القائمين به ومن يتصلون به بحكم وظيفتهم أو مهنتهم ولا يستطيل إلى الصحف التى كفل لها القانون حرية النشر طالما لم يصدر قرار من الجهة المختصة  بالمنع وأن الصحيفة تجردت من سوء النية أو قصد التشهير والإنتفاء فى حين أنه لا يلزم لقيام المسئولية فى هذه الحالة توافر سوء القصد ويكفى لقيامها الرعونة والتسرع وعدم التريث وهو ما لم يعن الحكم المطعون فيه ببحثه وتمحيصه ، وفى حين أن الأصل هو سرية التحقيقات الاولية وأن حرية الصحيفة فى نشر الخبر مشروطة بإلتزامها مبادئ الدستور ونصوص القانون وما توجبه من قيود تكفل عدم المساس بسمعة واعتبار من يتناولهم التحقيق وهو ما لم يلتزمه الحكم المطعون فيه بما يعيبه ويستوجب نقضه .

وحيث إن هذا النعى فى محله ، ذلك أن الشارع قد دل بما نص عليه فى المادتين 189 ، 190 من قانون العقوبات على أن حصانة النشر مقصورة على الإجراءات القضائية العلنية والأحكام التى تصدر علنا ولا تمتد إلى التحقيق الإبتدائى ولا إلى التحقيقات الأولية أو الإدارية لأن هذه كلها ليست علنية إذ لا يشهدها غير الخصوم ووكلائهم ، فمن ينشر وقائع هذه التحقيقات أو ما يقال فيها أو ما يتخذ فى شأنها من ضبط وحبس وتفتيش وإتهام وإحالة إلى المحاكمة فإنما ينشر ذلك على مسئوليته إذ أن حرية الصحفى لا تعدو حرية الفرد العادى ولا يمكن أن تتجاوزها إلا بتشريع خاص ومن ثم فإنه يلتزم فيما ينشره بالمقومات الأساسية المنصوص عليها فى الدستور ، وأنه ولئن جاز للصحف – وهى تمارس سالتها بحرية فى خدمة المجتمع – تناول القضايا بالنشر فى مرحلة التحقيق الإبتدائى او الأولى باعتبارها من الأحداث العامة التى تهم الرأى العام إلا أن ذلك ليس بالفعل المباح على إطلاقه وإنما هو محدود بالضوابط المنتظمة له ومنها أن يكون النشر فى إطار المقومات الأساسية للمجتمع والحفاظ على الحريات والحقوق والوجبات العامة وأحترام حرية الحياة الخاصة للمواطنين وعدم الإعتداء على شرفهم وسمعتهم وأعتبارهم أو إنتهاك محارم القانون . لما كان ذلك – وكان الواقع الثابت فى الدعوى أن الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه نشرت ما تناوله التحقيق الإبتدائى – فى مرحلة من مراحلة – عن توجية الإتهام إلى الطاعنين معرفين بإسميهما والإفراج عنهما بضمان مالى – وذلك قبل أن يتحدد موقفهما بصفة نهائية من هذه التحقيقات الجنائية ودون تريث إلى حين التصرف النهائى فيها وأن الطاعنين استندا فى دعواهما على أن نشر هذه الخبر على هذه الصورة وبهذا التسرع تضمن مساساً بسمعتهما ، وكان لا مراء فى أن المساس بالشرف والسمعة على هذا النحو – متى ثبتت عناصره – هو ضرب من ضروب الخطأ الموجب للمسئولية لا يشترط فيه أن يكون المعتدى سئ النية بل يكفى أن يكون متسرعاً إذ فى التسرع إنحراف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد وهو ما يتوافر به هذا الخطأ – هذا – إلى أن سوء النية ليس شرطاً فى المسئولية التقصيرية كما هو شرط فى المسئولية الجنائية ، فإن الحكم المطعون فيه إذ لم يلتزم هذا النظر وأقام قضاءه برفض الدعوى على ما ذهب إليه من أن سرية التحقيق الإبتدائى وحظر إنشائه تقتصر على القائمين عليه والمتصلين به بسبب وظيفتهم أو مهنتهم – ولا تستطيل إلى الصحف طالما لم يثبت صدور قرار من جهة مختصة بحظر النشر ، وأن الصحيفة التى يمثلها المطعون عليه إستعملت حقها المباح فى نشر الأخبار – مستهدفة خدمة المصلحة العامة دون سوء نية أو قصد مؤثم ، وبالتالى فلا خطأ يمكن نسبته إليها ولا مسئولية عليها . يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون ، وقد حجية هذا الخطأ عن تناول موضوع الدعوى تناولا صحيحا وإستظهار قيام التسرع وعدم التريث فى نشر الخبر المتعلق بإتهام الطاعنين معرفين بإسميهما وأثر ذلك على قيام ركن الخطأ المستوجب للحكم بالتعويض أو إنتفائه وهو – ما يعيبه ويوجب نقضه .