الطعن رقم 2179 لسنة 40 بتاريخ : 1996/06/16
___________________
برئاسة السيد الأستاذ المستشار ـ رائد جعفر النفراوى نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة المستشارين: محمد عبد الرحمن سلامة والسيد محمد السيد الطحان وإدوارد غالب سيفين وأحمد عبد العزيز أبو العزم نواب رئيس مجلس الدولة
* الإجراءات
فى يوم الأحد الموافق 24/4/1994 أودع الأستاذ ....... المحامى بصفته وكيلا عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد بجدولها تحت رقم 2179 لسنة 40 ق.ع فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى- دائرة العقود والتعويضات- فى الدعوى رقم 5129 لسنة 44 ق جلسة 27/3/1994 والقاضى أولا: بسقوط حق المدعى فى المطالبة بالتعويض عن قرار اعتقاله الصادر فى 27/10/1954 بالتقادم- وإلزامه- مصروفات هذا الطلب. ثانيا: بقبول الدعوى شكلا بالنسبة لطلب المدعى التعويض عن الأضرار المادية والأدبية التى أصابته من جراء اعتقاله فى 30/8/1965 وفى الموضوع بإلزام المدعى عليهما بصفتهما متضامنين بأن يؤديا له مبلغا مقداره ثلاثة آلاف جنيه والمصروفات.
وطلب الطاعن- للأسباب المبينة بتقرير الطعن- قبول الطعن شكلا وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه بالنسبة للشق الأول منه والحكم على المطعون ضدهما بصفتهما متضامنين مع بعضهما ومع الدولة بأن يؤديا للطاعن المبلغ الذى سوف تقدره المحكمة العليا تعويضا عما أصاب الطاعن من أضرار مادية و أدبية من جراء صدور ونفاذ قرارى اعتقاله فى 27/10/1954 و30/8/1965 وإلزامها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتى التقاضى.
وقد أعلن الطعن الى المطعون ضدهما للوجه المبين بالأوراق.
وفى يوم الأحد الموافق 8/5/1994 أودعت هيئة قضايا الدولة بصفتها نائبة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن قيد بجدولها تحت رقم 2347/40 ق.ع فى الحكم المشار إليه. وطلب الطاعنان- للأسباب المبينة بتقرير الطعن- قبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم برفض الدعوى وإلزام المطعون ضده المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتى التقاضي وقد أعلن تقرير الطعن الي المطعون ضده على النحو المبين بالأوراق.
قدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسببا رأت فيه الحكم بقبول الطعنين شكلاً ورفضهما موضوعا وإلزام كل طاعن مصروفات طعنه.
تحدد لنظر الطعنين أمام دائرة فحص الطعون جلسة 23/7/1995 وتداولت نظرهما بالجلسات علي النحو الثابت بمحاضر الجلسات وبجلسة 4/3/1996 قررت المحكمة إصدار الحكم في الطعنين بجلسة اليوم 166/1996 وبها صدر هذا الحكم وأودعن مسودته لمشتملة على أسبابه عند النطق به.
* المحكمة
بعد الاطلاع علي الأوراق وسماع المرافعة وبعد المداولة.
من حيث أن الطعنين قد أستوفيا أوضاعهما وإجراءاتهما المقررة قانونا.
ومن حيث أن عناصر المنازعة تتحصل حسبما يبين من الأوراق في أن المدعي .............. أقام الدعوى رقم 5129 لسنة 44 ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بتاريخ 5/4/1990 طلب في ختامها الحكم بإلزام المدعي عليهما بصفتهما متضامنين بتعويضه عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته وأسرته من جراء قراري اعتقاله والمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال بيانا لدعواه أنه أعتقل في نوفمبر 1954 دون محاكمة أو تحقيق حتى أفرج عنه في يونيو سنة 1956 ثم أعيد اعتقاله في سبتمبر 1965 واعتقال كل من سبق اعتقاله وظل معتقلا حتى أفرج عنه في أوائل عام 1967 ونص المدعي على قراري اعتقاله أعمالا لقرار رئيس الجمهورية الصادر في ذلك الوقت بمعاودة صدورهما دون سند من القانون، إذ لم تتوافر بشأنه إحدى حالات الإشتباه أو الخطورة على الامن والنظام العام على نحو يبرر اعتقاله، كما أن قرار اعتقاله الثاني صدر استنادا لأحكام القانون رقم 119 لسنة 1964 والذي قضى بعدم دستوريته، الأمر الذي يتوافر معه الخطأ في جانب الجهة الإدارية. وقد أصيب المدعى بأضرار مادية وأدبية تمثلت فيما لحق بأسرته من عنت وضيق وضنك بحرمانهما من عائلها، بالإضافة الي حرمان المدعى من حريته طيلة مدة اعتقاله وهي أعز ما يملك الانسان فإنه يحق للمدعي في المطالبة بتعويضه عن هذه الأضرار.
وبجلسة 27/3/1994 صدر الحكم المطعون فيه وقضى
أولا: بسقوط حق المدعى في المطالبة بالتعويض عن قرار اعتقاله الصادر في 27/10/1954 بالتقادم، وإلزامه مصروفات هذا الطلب.
ثانيا: بقبول الدعوى شكلا بالنسبة لطلب المدعي في التعويض عن الاضرار المادية والأدبية التي أصابته من جراء اعتقاله الصادر في 30/8/1965 وفي الموضوع بإلزام المدعي عليهما بصفتيهما متضامنين بأن يؤديا له مبلغا مقداره ثلاثة آلاف جنيه والمصروفات.
وأقامت المحكمة قضائها بالنسبة لطلب المدعي تعويضه عن قرار اعتقاله الصادر سنة 1954 والثابت أنه تم اعتقال المدعي في 27/10/1954 وأفرج عنه في 27/10/1955 وانقضى على صدوره أكثر من خمسة عشر عاما حتى تاريخ العمل بالدستور الحالي في 11/9/1971 ومن ثم يكون قد اكتملت بشأنه مدة التقادم الطويل المسقط قبل تاريخ العمل بالدستور، ويكون حق المدعى في المطالبة بالتعويض عنه قد سقط بالتقادم وهو ما يتعين معه القضاء بسقوط حق المدعى في المطالبة بالتعويض عن قرار اعتقاله المشار إليه ـ وعن طلب المدعى تعويض عن قرار اعتقاله الصادر سنة 1965 فالثابت أنه تم اعتقال المدعى المدة من 30/8/1965 وقد ساقت الإدارة أسبابا لاعتقاله خلاصتها أنه كان عضوا بجماعة الأخوان المنحلة، والعمل وإنضم للجهاز السري الذي كونته الجماعة بهدف قلب نضام الحكم بالقوة ومارس نشاطا مناهضا ضد الحكومة القائمة آنذاك تمثل في نشر وترويج أفكار ومبادئ جماعة الإخوان المنحلة، والعمل على إحياء نشاط حزب الإخوان المنحل وإستقطاب عناصر جديدة، وضمهن لصفوف التنظيم السري الإخواني، وتلقى تدريبات عسكرية للقيام بإنقلاب عسكري، وهو الأمر الذي كان يخطط له التنظيم السري الاخواني، وما نسب للمدعى لا يعدو أن يكون قولا مرسلا غير مستند الي أية واقعات تكشف عن مظاهر هذا النشاط وتدعيمه على نحو يؤدي الي القول بخطورته على الأمن والنظام العام، ومجرد الإنتماء للجماعة سالفة البيان لا يعني حتما وبذاته اعتباره من الخطرين على الأمن ما دام لم يرتكب فعلا وشخصيا أمورا من شأنها أن تصفه حقا بهذا الوصف، وهو ما يجعل قرار اعتقاله فاقدا سببه، فضلا عن صدوره استنادا للمادة الأولى من القانون رقم 119/1964 بشأن بعض التدابير الخاصة بأمن الدولة، والتي قضى بعدم دستوريتها بحكم على نحو يتحقق معه بكون الخطأ في جانب الجهة الإدارية. ولا مراء في أن الاعتقال هو عين الضرر، لأنه يحول بين المرء وكسب عيشه وينأى به عن أهله وذويه ليلقى به في المذلة والهوان من سلب لحريته، وإهدار لكرامته وآدميته، ومن ثم يكون قرار اعتقال المدعى قد ألحق به ضررا ماديا وأدبيا يستوجب التعويض عنه. ومن حيث أن التعويض إنما شرع لجبر الضرر، ويدور معه وجودا وعد ما، ويقدر بمقداره، لذا فإن المحكمة تقدر تعويضا جابرا لما أصاب المدعى من أضرار مادية وأدبية نتيجة اعتقاله في الفترة من 30/8/1965 حتى 30/12/1965 بمبلغ مقداره ثلاثة آلاف جنيه يلزم بها المدعى عليهما بصفيهما متضامنين تبعا لأسهام كل منهما في إصدار هذا القرار ووضعه موضع التنفيذ.
ومن حيث أن الطاعن ............ أقام طعنه رقم 2179/40 ق ناعيا على الحكم مخالفته القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله، فبالنسبة لقرار الاعتقال الصادر في 27/10/1954 وما قرره الحكم من سقوط التعويض عنه ولما كان معروفا للكافة وصدر بإثباته العديد من الأحكام المدنية والجنائية الباته وما يؤكد أن المعتقلين السياسيين في فترتي الخمسينات والستينات لم يكن مسموح لزويهم معرفة أماكن اعتقالهم ولم يكن مسموحا لهم بالتراسل أو التخاطب، فلا ريب أنه لا يتصور أن من كان في هذا الوضع ـ وهو حال الطاعن ـ يمكن له أن يوكل غيره لرفع دعوى تعويض عن اعتقاله، فضلا عن أن المناخ لم يكن آمنا لمن تلقى هذا التوكيل أن يرفع مثل هذه الدعاوى خوفا مما كان يتبع من أساليب القهر والإذلال، وقد ظهر ذلك جليا في أحكام محكمة النقض وأحكام المحكمة الإدارية العليا من اعتبار الاعتقال مانعا ماديا من المطالبة بالحقوق ومن ثم يقف سريان التقادم خلال مدة الاعتقال وليس ثمة تعارض بين هذه الأحكام وبين ما صدر عن المحكمة الإدارية العليا من أن الاعتقال في حد ذاته لا يمثل قوى قاهرة تمنع المعتقل من توكيل غيره ذلك لا ينطبق على المعتقلين من جماعة الأخوان المسلمين على ما لاقاه من تعذيب وتنكيل ومنع من مباشرة حقه الطبيعي في إقامة الدعاوى، وقد استقرت أحكام المحكمة الإدارية العليا الحديثة على عدم سقوط التعويض بالتقادم.
وبالنسبة لقرار اعتقاله الصادر في 30/8/1965 فإن التعويض المحكوم به تعويض رمزي لم يصل الي حد جبر الضرر ولا يتناسب مع ما حل به من تنكيل وتعذيب وبعد عن الاهل وسلب الحرية وإهدار الكرامة كما قرر الحكم الطعين ذاته.
ومن حيث أن مبنى الطعن رقم 2347/40 ق . ع المقام من الجهة الإدارية بأن الحكم المطعون فيه فيما قضى به من تعويض المطعون ضده عن اعتقاله في 30/8/1965 فالثابت أن ما نسب إليه ثابت في حقه ومن ثم ينتفي خطأ الجهة الإدارية ومن ثم يكون قرار اعتقاله قد صدر محمولا علي أسبابه أعمالا لحكم المادة الثالثة من قانون الطوارئ وإذا إنتفى أحد أركان المسئولية الإدارية الموجبة للتعويض فإن الحكم بتعويضه يكون غير قائم على أساس سليم من الواقع والقانون حريا بالإلغاء، فضلا عن المغالاة في تقدير التعويض علي ما ذهبت المحكمة المطعون في حكمها حيث جاء بصورة مجملة مبهمة دون بيان لعناصر الضرر، كما أن الضرر الأدبي ينبغي الإكتفاء في تعويضه بمبلغ رمزي ومن ثم يكون الحكم فيما غضى به من تعويض بمبلغ 3000 جنيه قد شابه مغالاة فى التقدير بما يحقق أثراء غير مشروع يأباه القانون ويكون قد خالف القانون حريا بالإلغاء.
ومن حيث أنه فيما يتعلق بما قضى به الحكم المطعون فيه من سقوط حق الطاعن : في الطعن رقم 2179 لسنة 40 ق.ع في المطالبة بالتعويض عن قرار اعتقاله الصادر سنة 1954 بالتقادم بأن قضاء هذه المحكمة جرى علي أن المادة 57 من الدستور الحالي تنص على أن كل إعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين أو غيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، ومن ناحية أخرى فإن قضاء هذه المحكمة جرى أيضا على أن الاعتقال يعتبر مانعا ماديا وقهريا يتعذر معه على المعتقل المطالبة بالحق لخضوعه في تصرفاته لإشراف وسيطرة السلطة القائمة على الاعتقال، ويقف سريان التقادم قانونا لذلك خلال مدة الاعتقال طالما لم يثبت من الأوراق أن ثمة فرصة كانت متاحة للمعتقل للمطالبة بحقوقه وهو ما عليه الحال في النزاع الماثل.
ومن حيث أنه فضلا عما تقدم فإنه ما كان بوسع الطاعن أن يقيم الدعوى التي صدر فيها الحكم المطعون فيه إلا بعد سريان أحكام الدستور المصري الصادر في 11/9/1971 ومن ثم يسري عليها حكم المادة 57 من الدستور وإذ ذهب الحكم المطعون فيه ـ فيما يتعلق بقرار الاعتقال الصادر سنة1954 المطعون فيه ـ غير هذا المذهب وقضى بسقوط الحق في الطعن على القرار المذكور فإنه يكون غير قائم على أساس صحيح من القانون ومن المتعين الحكم بإلغائه.
ومن حيث أن ما نسب الي الطاعن في الطعن رقم 2179 لسنة 40 ق.ع هو إنتمائه لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين وممارسة نشاطا تنطيميا لصالح الجماعة ومساهمته في تمويل الجماعة بتغيير الشكل الاجتماعى للبلاد مما أدى الي صدور قرار اعتقاله في اكتوبر سنة 1954، هذا الذي نسب إليه لا يعدو أن يكون قولا مرسلا لم تكشف الأوراق عن حقيقة صحة ما هو منسوب إليه ولم تقدم الجهة الإدارية ما يثبت ذلك خاصة وأن الطاعن أوضح في دعواه ثم في تقرير طعنه أنه اقتيد إلي السجن الحربي دون إجراء تحقيق معه، ومن ثم يغدو قرار اعتقاله المشار إليه منتزعا من أصول لا تنتجه وفاقدا لسنده فعلا وقانونا ويتحقق حينئذ ركن الخطأ في جانب الجهة الإدارية. وفاقدا لسنده فعلا وقانونا ويتحقق حينئذ ركن الخطأ في جانب الجهة الإدارية.
ومن حيث أن قضاء هذه المحكمة جرى علي أن الاعتقال في حد ذاته يمثل أبلغ الضرر فهو يحول بين المعتقل وكسب عيشه وينأى به عن أهله وذويه ليلقى به في المذلة والهوان، لما يلقه من سلب لحريته وإهدار لكرامته الأمر الذي يستوجب تعويضه، ولما كان الطاعن ـ في الطعن رقم 2179 لسنة 40 ق.ع قد اعتقل في اكتوبر سنة 1954 وأفرج عنه في أكتوبر سنة 1955 فإن المحكمة تحكم له بتعويض عن فترة الاعتقال المشار إليها تقدره بمبلغ خمسة آلاف جنيه.
ومن حيث أنه فيما يتعلق بما تنعاه الجهة الإدارية في طعنها رقم 2347/40 ق.ع من أن الحكم المطعون فيه حينما قضى بتعويض المطعون ضده بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه عن فترة اعتقاله من 30/8/1965 جاء مشوبا بالمغالاة، وفيما يتعلق بما نعاه الطاعن في طعنه رقم 2179/40 ق.ع من أن الحكم المطعون فيه قضى بتعويض لا يتناسب مع الضرر الذي أصابه وما حل به من تنكيل وتعذيب وبعد عن الاهل وسلب الحرية وإهدار الكرامة، فمردود على ذلك كله بأن قضاء هذه المحكمة جرى على أن قاضي الموضوع يستقل بتقدير مبلغ التعويض المحكوم به طالما كان تقديره مبنيا على أسس لها أصل ثابت بالأوراق ومن ثم لا يجوز التعقيب على قضائه في هذا الشأن، ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن المحكمة استعرضت عناصر التعويض المادي والأدبي الذي لحق بالمطعون ضده وخلصت الي الحكم له بمبلغ التعويض المشار إليه فإن قضائه يكون صحيحا ولا وجه للنعي عليه.
ومن حيث أن من يخسر الطعن يلزم بمصروفاته عملا بحكم المادة 184 من قانون المرافعات.
* فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من سقوط حق الطاعن في المطالبة بالتعويض عن قرار اعتقاله الصادر في أكتوبر 1954 بالتقادم وبإلزام المطعون ضدهما في الطعن رقم 3179/40 ق.ع ـ متضامنين بأن يؤديا لطاعن مبلغا مقداره خمسة آلاف جنيه عن مدة اعتقاله من 27/10/1954 حتى 27/10/1955 ورفض ما عدا ذلك من طلبات الطعنين وألزمت كلا من الطاعنين المصروفات المناسبة.