الطعن رقم 528 لسنة 42 بتاريخ : 1998/03/14

____________________

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ على فؤاد الخادم رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة المستشارين: رائد جعفر النفراوى وجودة عبد المقصود فرحات وإدوارد غالب سيفين وأحمد عبد العزيز أبوالعزم نواب رئيس مجلس الدولة

*
الإجراءات

فى يوم الأحد الموافق 3 من ديسمبر سنة 1995 أودع الأستاذ ........ المحامى بصفته وكيلاً عن الطاعن قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريراً بالطعن فى القرار الصادر من لجنة شئون الأحزاب السياسية بتاريخ 4/11/1995 بالاعتراض على تأسيس حزب سياسى جديد باسم حزب حماية المستهلك
وطلب الطاعن - للأسباب الواردة بتقرير طعنه - الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وبالموافقة على تأسيس حزب حماية المستهلك مع إلزام المطعون ضده المصروفات وقد تم إعلان الطعن قانوناً على النحو المبين بالأوراق.
وأودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع برفضه وإلزام الطاعن المصروفات.
وعينت لنظر الطعن جلسة 3/3/1996 أمام هذه المحكمة المشكلة تطبيقاً لحكم المادة (8) من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية، وتداولت المحكمة نظر الطعن على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، إلى أن قررت النطق بالحكم بجلسة 14 مارس سنة 1998.
وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

*
المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة والمداولة.
ومن حيث أن الطعن استوفى أوضاعه وإجراءاته المقررة قانوناً.
ومن حيث أن عناصر هذا الطعن تخلص حسبما يبين من الأوراق فى أنه بتاريخ 6 يوليو سنة 1995 وجه الطاعن - بصفته وكيلاً عن طالبى تأسيس حزب حماية المستهلك إخطاراً كتابياً إلى الدكتور/ رئيس مجلس الشورى رئيس لجنة الأحزاب السياسية بطلب الموافقة على تأسيس الحزب المذكور وأرفق بطلبه برنامج الحزب ولائحة نظامه الأساسى وتوكيلات تشمل (81) توكيلاً منها (35) توكيل للفئات و (46) توكيل للعمال والفلاحين - وقد عرض الإخطار على لجنة شئون الأحزاب السياسية بجلسة 21/10/1995، وبجلسة 4/11/1995 أصدرت اللجنة قرارها المطعون عليه والمتضمن الاعتراض على الطلب المقدم من الطاعن بتأسيس حزب سياسى جديد باسم حزب حماية المستهلك لأن برنامج الحزب يفتقر إلى ملامح الشخصية الحزبية المتميزة التى تشكل إضافة جادة للعمل السياسى أو تميزه تميزاً ظاهراً عن برامج الأحزاب الأخرى.
واستندت اللجنة فى قرارها على أن ما أورده الحزب فى برنامجه عن المجال الاقتصادى - والذى يهدف إلى تحسين مستوى الإنتاج على تدخل المنتجات المصرية دائرة الجودة الشاملة وأن يتم رفع شعار صنع فى مصر مع ضرورة تنمية الجهاز الإدارى ليصبح قادراً على القيام بتحديث وتطوير المنتج المصرى، لا يضيف جديداً بل هو تقرير لأمر واقع متمثل فى ازدياد الطلب على المنتجات المصرية بسبب ما يبذل من جهود فى متابعة وتطوير وسائل الإنتاج وأن ما يراه الحزب فيما يتعلق بالرقابة على الأسعار ووضع ضوابط سعرية، والرقابة على الإعلانات التجارية، وضرورة استعادة القرية المصرية لدورها الأساسى كوحدة انتاجية واقتصادية، فإن ما أورده الحزب هو ترديد لما يجرى عليه العمل فعلاً طبقاً لسياسة الحكومة التى تقوم على حماية الطبقات الكادحة بضبط الأسعار والرقابة الفعلية عليها، ومن ناحية أخرى فإنه يوجد مشروع قائم أنشئ بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 891 لسنة 1973 بإنشاء جهاز بناء وتنمية القرية، وأن حكومة الحزب الوطنى طرحت فى بيانها المقدم إلى مجلس الشعب فى 31/12/1994 برامجها لتنمية الريف المصرى الذى يشمل جميع قوى مصر يضاف إلى ذلك ما ورد بشأن القرية المصرية تناولته برامج الأحزاب الأخرى بإسهاب.
وفيما يتعلق بما أورده برنامج الحزب فى مجال الصحة وحماية البيئة، أوضحت اللجنة، أنه لا يضيف جديداً ذلك أن الحكومة تعمل حالياً على دعم المستشفيات العامة وإنشاء المستشفيات المتخصصة وتزويدها بأحدث الآلات الطبية ووسائل العلاج، فضلاً عن اهتمامها بتوسيع إنشاء مستشفيات التأمين الصحى، وبالنسبة لصناعة الدواء فقد تحقق تقدم كبير أسفر عن الحد من استيراد كثير من أنواع الأدوية فضلاً عن أنها أخذت باعاً كبيراً فى مجال التصدير نتيجة الثقة التى حظت بها دولياً لجودتها، كما أن برنامج الحزب لم يتضمن جديداً يميزه عن الأحزاب الأخرى فى ذلك المجال فقد تضمنته تفصيلاً وبإسهاب برامج الكثير من الأحزاب الأخرى ومنها الحزب الوطنى والعمل والتجمع والوفد الجديد والخضر والاتحاد الديمقراطى.
وفيما يتعلق بالبيئة فإن الاتجاه العام فى التصنيع الحديث يسعى جاهداً إلى حماية البيئة من التلوث واستخدام مكثفات الأتربة والأدخنة بالمصانع والاهتمام بالشريط الأخضر للقاهرة علاوة على وجود جهاز لشئون البيئة بمجلس الوزراء يقوم بتحقيق هذا المفهوم ووجود جمعيات مركزية للبيئة.
وقد قامت الدولة باتخاذ إجراءات عديدة حفاظاً على البيئة سواء من خلال إصدارها للقوانين والقرارات أو إنشاء الحدائق أو إنشاء صناديق للخدمات الصحية والبيئية.
واستطردت لجنة الأحزاب قائلة أن برنامج الحزب فى المجال الاجتماعى والثقافى فقد تضمن رأى الحزب فى مسألة المرأة، ومشكلة الأمية، وتطوير السياسة التعليمية والقراءة للجميع والفن والأدب وحماية الآثار، إلا أن ما أورده الحزب فى هذا الشأن لا يخرج عن تصور لأمر واقع، لأن الحكومة تقوم بعلاج مشكلة المرأة بصفة عامة فى الريف أو الحضر من خلال مراكز تنظيم الأسرة كما تعمل الحكومة على رعاية الأمومة وعقد مؤتمرات خاصة بالمرأة، وأن ما أورده الحزب فى شأن المرأة ورد تفصيلاً وبشكل مماثل فى جميع برامج الوطنى، الوفد، العمل، مصر الفتاة، الناصرى الجمهورى، التجمع، وهو ما عليه الحال أيضاً بالنسبة لما أورده الحزب فى شأن محو الأمية وتطوير السياسة التعليمية وأهمية دور الجامعات ومراكز البحث العلمى ودعم المشروع القومى القراءة للجميع كما لم يأت الحزب بجديد فى مجال الفن والأدب فهو ترديد لما ورد ببرامج أحزاب أخرى.
وأوضحت لجنة الأحزاب ما جاء ببرنامج الحزب فى المجال الأمنى لا يصلح لأن يكون مقوماً أساسياً لقيام حزب سياسى، فالأفكار التى طرحها الحزب لا تعدو أن تكون أعمالاً تنفيذية وليس فكراً سياسياً، وفضلاً عن ذلك فإنه يكرر ما تتبعه الحكومة فعلاً.
وفيما يتعلق بالمجال الخارجى فإن الحزب يطالب بأن تشدد الحكومة على المسئولين فى البعثات المصرية فى الخارج بأن يقدموا كل عون للمواطنين المصريين فى الدول التى يتواجدون فيها.
وفى مجال السياسة الخارجية للدولة يرى الحزب ضرورة الحرص على الانتماء المصرى للأمة العربية والتفاعل مع القضايا الأفريقية والاستمرار فى الدور الريادى فى العالم الإسلامى وضرورة أن تكون السياسة المصرية فى خدمة الاقتصاد وليس العكس، وترى اللجنة أن البرنامج لم يتضمن جديداً فى هذا الشأن فضلاً عن أنه يردد السياسة التى تتبعها الحكومة فعلاً والتى تفوق بكثير ما يراه الحزب طالب التأسيس.
وخلصت اللجنة فى قرارها إلى أن برنامج الحزب يفتقر إلى ملامح الشخصية الحزبية المتميزة التى تشكل إضافة جادة للعمل السياسى أو تميزه تميزاً ظاهراً عن برامج الأحزاب الأخرى كما أنه اعتمد فى الكثير من برنامجه على صياغات لفظية وعبارات إنشائية وذلك كله يجعله غير جدير بالانتماء إلى حلبة النضال السياسى مع باقى الأحزاب القائمة.
ومن حيث أن مبنى الطعن الماثل أن قرار لجنة الأحزاب المطعون فيه جاء على خلاف حكم القانون فضلاً عن مخالفته للمبادئ الأساسية فى الدستور وذلك للأسباب التالية:
أولاً: يبين من نص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977 المعدل بأحكام القانون رقم 144 لسنة 1980 أن المشرع يستوى عنده بأن يتميز البرنامج أو تتميز الأساليب أحدهما فقط أو كليهما، فإذا جاءت الأساليب وحدها حديثة أى متميزة عما عداها فتكون قد حققت التمايز لبرنامجها ومؤدى هذا أنه يتعين تفسير معنى التمايز وفقاً للآتى:
1-
تمايز يصيب الأفكار.
2-
تمايز يصيب الأساليب فقط.
3-
تمايز يصيب الإثنين، ولذلك فإن المشرع فى صياغته للفقرة ثانياً سوى بين البرنامج وسياسته بواو العطف بينما أوقع الاختبار بينهما وبين الأساليب بأو الاختيار.
ثانياً: أنه من المتفق عليه أنه عند صياغة برامج الأحزاب يجب عدم المساس بالثوابت المتمثلة فى المقومات الأساسية للمجتمع ومنها شكل الحكم فلا يجوز أن يأتى برنامج حزب جديد ولكى يكون متميزاً ينادى بعودة الملكية أو بعودة الإقطاع ولذلك فإن التمايز هو زحف فكر جديد فى بعض نواحيه وليس فى كلها نحو الساحة السياسية أما إذا انصرف معنى المادة الرابعة (فقرة 3) من قانون الأحزاب إلى ضرورة أن يشمل التجديد كل فقرة من فقرات البرنامج فمؤدى هذا أن مجرد فكرة جيدة خلاقة تحقق رخاء الجماهير كمشروع النيل الجديد ينبغى لها أن تؤد قبل أن تولد بحجة عدم وجود تحديد فيما صاحبها من فقرات بذات البرنامج الذى أتى بها وبذلك يكون الطريق مسدوداً فى وجه كافة الأفكار المبدعة استناداً إلى التفسير الخاطئ الذى تعتنقه لجنة الأحزاب للفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون الأحزاب خاصة وأنه من المستحيل عقلاً أن تتباين كل جزئية فى برنامج عن كل جزئية فى برنامج آخر بل وفى برامج أخرى، ومن ثم فإنه عندما يدعى قرار لجنة الأحزاب المطعون فيه أن التمايز أصاب الجزئيات أو التفصيلات حسبما جاء بأسبابه يكون قد وقع فى عيب القصور فى التسبيب، وعندما يدعى بأن المادة (4) فقرة (3) تحتم التجديد الجامع المانع يكون قد وقع فى عيب الخطأ فى تفسير القانون وتطبيقه.
ثالثاً: أن برنامج الحزب طالب التأسيس انفرد بخاصية تميز بها عن بقية الأحزاب الأخرى وهى خاصية الاهتمام بحماية المستهلك ولو كان هذا المستهلك منتجاً أو تاجراً أو مستورداً أو مزارعاً أو صانعاً، وبتقصى برامج الأحزاب الأربعة عشر السابقة فلا نجد برنامجاً واحداً منها سبغ حمايته على شق الاستهلاك الذى يهم جميع المواطنين بكافة أنواعهم وصورهم وأكد برنامج الحزب طالب التأسيس على معالجة قضية الاستهلاك من جميع جوانبها وكان ذلك يكفى ليكون برنامج الحزب متمايزاً عن برامج كافة الأحزاب الأخرى.
رابعاً: أنه إذا صح ما ذهبت إليه اللجنة فى تعليقها على برنامج الحزب من أن الحكومة تقوم بكل ما يطلب به الحزب فكيف تفسر اللجنة وجود كميات ضخمة من المخدرات تضبط يومياً داخل البلاد، ولماذا تزايدت حوادث انحراف الشباب وليس من شك فى أن ما يطالب به الحزب فى برنامجه أمر مختلف تماماً عن أنشطة الحكومة.
خامساً: أن الاختلاف بين قيادات الأحزاب يؤكد الاختلاف فى أساليب ووسائل هذه الأحزاب وتمايز الشخصيات القائمة على تنفيذ برامج الحزب يعتبر تميزاً لذات الحزب عن غيره من الأحزاب، وبالرجوع إلى برنامج الحزب يبين أنه حدد وسائله تحديداً مفصلاً بحيث تختلف الوسائل اختلافاً جذرياً عما تتبعه الحكومة من أساليب، فضلاً عن أن الحكومة ليست حزباً يمكن أن تقارن أعمالها ببرامج الأحزاب.
وخلص الطاعن إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً وبإلغاء قرار لجنة الأحزاب السياسية والموافقة على تأسيس حزب حماية المستهلك.
ومن حيث أن القانون رقم 40 لسنة 1977 فى شأن نظام الأحزاب السياسية قد نظم الأحكام الخاصة بشروط تأسيس الأحزاب واستمرارها وحلها وطريقة وصولها كحزب سياسى إلى الساحة السياسية وذلك بعد تحديد الأسس والمبادئ لتنظيم الأحزاب السياسية التى تبناها المشرع حسبما هو ثابت من تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب والمذكرة الإيضاحية التى وضعت المشروع وقد أورد تقرير اللجنة المبادئ الأساسية الجوهرية التى قام عليها القانون رقم 40 لسنة 1977 والذى صبغت أحكامه تحقيقاً لها ومن بين هذه المبادئ مبدأ جدية تكوين الأحزاب السياسية وذكرت اللجنة فى تقريرها أن المقصود بذلك أن يكون قيام الحزب جدياً وممثلاً فى اتجاه .... جدى وواقعى وليس مجرد صورى لا يعبر إلا عن مؤسسيه دون أن تكون له قاعدة جماهيرية واضحة ودون أن يكون لوجوده إضافة جادة للعمل السياسى، وبناء على هذه المبادئ والأسس التى تضمنها تقرير اللجنة صدر القانون رقم 40 لسنة 1977 ونصت المادة الرابعة منه على أنه يشترط لتكوين أو استمرار أى حزب سياسى ما يلى:
أولاً: عدم تعارض مقومات الحزب أو مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه فى ممارسة نشطه مع:
1-
مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسى للتشريع.
2-
مبادئ ثورتى 23 يوليو 1952، 15 مايو 1971.
3-
الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى والنظام الاشتراكى الديمقراطى والمكاسب الاشتراكية.
ثانياً: تميز برنامج الحزب وسياساته أو أساليبه فى تحقيق هذا البرنامج تميزاً ظاهراً عن الأحزاب الأخرى.
ثالثاً: عدم قيام الحزب فى مبادئه أو برامجه أو فى مباشرة نشاطه أو اختيار قياداته أو أعضائه على أساس يتعارض مع أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعى.
ونصت المادة السابعة على أنه يجب تقديم إخطار كتابى إلى رئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية المنصوص عليها فى المادة التالية عن تأسيس الحزب موقعاً عليه من خمسين عضواً من أعضائه المؤسسين ومصدقاً رسمياً على توقيعاتهم على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين ويرفق بهذا الإخطار جميع المستندات المتعلقة بالحزب.
كما نصت المادة على أن تشكل لجنة الأحزاب السياسية على النحو التالى:
1-
رئيس مجلس الشورى رئيساً.
2-
وزير العدل.
3-
وزير الداخلية.
4-
وزير الدولة لشئون مجلس الشعب.
5-
ثلاثة من غير المنتمين إلى أى حزب سياسى أو من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين أو نوابهم أو وكلائهم أعضاءً.
وتختص اللجنة بالنظر فى المسائل المنصوص عليها فى هذا القانون وبفحص ودراسة إخطارات تأسيس الأحزاب السياسية طبقاً لأحكامه.
وللجنة فى سبيل مباشرة اختصاصاتها طلب المستندات والأوراق والبيانات والإيضاحات التى ترى لزومها من ذوى الشأن فى المواعيد التى تحددها لذلك ولها أن تطلب أية مستندات أو أوراق أو بيانات أو معلومات من أية جهة رسمية أو عامة، وأن تجرى ما تراه من البحوث بنفسها أو بلجنة فرعية منها وأن تكلف من تراه من الجهات الرسمية بإجراء أى تحقيق أو بحث أو دراسة لازمة للتوصل إلى الحقيقة فيما هو معروض عليها.
ويجب أن يصدر قرار اللجنة بالاعتراض على تأسيس الحزب مسبباً بعد سماع الإيضاحات اللازمة من ذوى الشأن.
ومن حيث أن مقتضى ما تقدم من نصوص قانون الأحزاب أن مهمة اللجنة وسلطاتها إزاء الأحزاب المزمع تأسيسها تتحدد فى ضوء المبادئ الدستورية والقانونية سالفة البيان التى قررت أن تكوين الأحزاب حق للمصريين ولهم حرية تكوين الأحزاب والانتماء إليها بحيث جعل المشرع مسئولية كل جماعة فى تكوين الحزب السياسى الذى ترتضيه منحصرة فى التقدم بإخطار للجنة المذكورة وهى فى طريق مرورها الطبيعى إلى ممارسة مهامها على الساحة السياسية، كما جعل مهمة اللجنة منحصرة فى بحث أوراق الحزب وهو تحت التأسيس والتأكد من مدى توافر الشروط التى حددها الدستور والتى ورد تفصيلها فى القانون وعلى اللجنة الاعتراض على قيام الحزب قانوناً إذا ما تخلف فى حقه شرط أو أكثر من الشروط التى اقتضاها الدستور والقانون وفى هذه الحالة فإن عليها أن تصدر قرارها مسبباً بعد سماع الإيضاحات اللازمة من ذوى الشأن وقد حتم المشرع سماع ذوى الشأن حرصاً على تحقيق دفاعهم وإيضاح موافقتهم وتوجيهاتهم أمام اللجنة لتبصيرها بأهداف وأغراض مؤسسى الحزب وبرامجه، كما حرص على ضرورة تسبيب قرار اللجنة باعتبارها تتصرف فى إطار سلطة مقيدة بنص الدستور وأحكام القانون فى مجال حرية من الحريات وحق من الحقوق العامة للمصريين، ويخضع ما تقرره اللجنة للرقابة القضائية من هذه المحكمة التى شكلها المشرع بالتشكيل المتميز الذى يكفل لها إعمال هذه الرقابة على مدى سلامة قرار اللجنة ومطابقته لأحكام الدستور والقانون.
ومن حيث أنه من بين الشروط والضوابط التى أوردها القانون رقم 40 لسنة 1977 لتأسيس الأحزاب السياسية أو استمرارها ما ورد بالبند ثانياً من المادة الرابعة التى تشترط لتأسيس الحزب أو استمراره تميز برامج الحزب وسياساته أو أساليبه فى تحقيق هذا البرنامج تميزاً ظاهراً عن الأحزاب الأخرى.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة جرى على أنه يتعين توافر هذا الشرط فى كل حزب ضماناً للجدية التى تمثل مبدأً أساسياً من النظام العام السياسى والدستورى فى تطبيق مبدأ تعدد الأحزاب السياسية وحتى يكون للحزب قاعدة جماهيرية حقيقية للعمل السياسى ببرامج وسياسات متميزة عن الأحزاب الأخرى وذلك حتى يكون للتعدد الحزبى جدوى سياسية محققة للصالح القومى بما تحققه من إثراء للعمال الوطنى ودعم للممارسة الديمقراطية تبعاً لاختلاف البرامج والاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتوسيع لنطاق المفاضلة بين الأحزاب السياسية أمام المواطنين واختيار أصحاب الأحزاب التى تتبنى أصلح الأحزاب السياسية أمام المواطنين واختيار أصحاب الأحزاب التى تتبنى أصلح الحلول وأنسبها لتحقيق المصالح العامة للشعب، كذلك فإن التميز المطلوب قانوناً فى حكم الفقرة الثانية من المادة الرابعة المشار إليها لا يمكن أن يكون مقصوداً به الانفصال التام فى برامج الحزب وأساليبه وسياساته عن برامج وأساليب الأحزاب جميعها فليس فى عبارة النص المشار إليه أو دلالته أو مقتضاه ما يوحى بأن التميز يجب أن ينظر إليه بالمقارنة بما يرد ببرامج وسياسات الأحزاب الأخرى جميعها، ذلك أن الأخذ بمنطق هذا التفسير إلى منتهاه يفرض قيداً هو أقرب إلى تحريم تكوين أى حزب جديد ومصادرة حقه فى ممارسة الحياة السياسية منه إلى تنظيم هذا الحق كما أن الأخذ بهذا النظر بفرض أن هذه الأحزاب تمثل حزباً أو تنظيماً واحداً بحيث يجب أن يتميز عن الحزب طالب التأسيس وهو ما يتعارض مع مبدأ التعدد الحزبى ومن ثم فليس المطلوب فى التميز لبرنامج الحزب وسياساته أن يكون هناك تناقض واختلاف وتباين كامل بينه وبين جميع الأحزاب الأخرى وإنما يكمن التميز - صدقاً وعدلاً - فى تلك المقولات والتعبيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى ترد فى برامج الحزب وأساليبه وسياساته التى ارتضاها لنفسه ليكون ملامح شخصية حزبية متميزة وتعبر عن توجه فكرى مميز فى مواجهة المشاكل العامة واختيار الحلول لها بين البدائل المتعددة فى ظروف الحياة الواقعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ينفرد بها على باقى الأحزاب ويعرف بها بينها بحيث لا يكون نسخة ثانية مقلدة من البرامج والسياسات التى يتبناها ويتميز بها حزب قائم بالفعل أو صورة مطابقة له، وبناء على ما سلف فإن التميز بهذه المثابة يختلف عن الانفراد وعن الامتياز والأفضلية عن باقى الأحزاب، فالتميز الظاهر الذى هو مناط ومبرر شرعية وجود حزب جديد - لو توافرت بالقى الشروط التى حتم توافرها الدستور والقانون - يعنى ظهور ملامح الشخصية المتميزة للحزب تحت التأسيس وتفردها على باقى الأحزاب الأخرى.
ومن حيث أن القرار المطعون فيه الصادر من لجنة الأحزاب بالاعتراض على تأسيس حزب حماية المستهلك، أقام اعتراضه - لما ورد فى أسباب القرار ومنطوقه - على ما تبين للجنة من أن برنامج الحزب يفتقر إلى ملامح الشخصية الحزبية المتميزة التى تشكل إضافة جادة للعمل السياسى أو تميزه تميزاً ظاهراً عن برامج الأحزاب الأخرى وأنه اعتمد فى شرح برنامجه فى الكثير منها على صياغات لفظية وعبارات إنشائية مما يجعله غير جدير بالانتماء إلى حلبة النضال السياسى مع باقى الأحزاب القائمة.
ومن حيث أنه بالاطلاع على برنامج الحزب تحت التأسيس المودع بالأوراق وعلى المذكرة المقدمة من وكيل المؤسسين يبين أنه حرص على إبراز أوجه التميز التى تميزه بشكل واضح عن برامج غيره من الأحزاب وتتحصل فيما يلى:
*
فى المجال الاقتصادى طالب الحزب بدخول المنتجات المصرية دائرة الجودة الشاملة أيزو 9000 وضرورة وجود جهة مصرية تمنح شهاداتها وطالب بتشديد الرقابة على الإعلانات التجارية وإصدار تشريع يجرم الغش التجارى.
*
فى مجال الصحة والبيئة طالب الحزب بإنشاء مجلس أعلى يحكم الرقابة والإشراف الدقيق على بنوك الدم للتأكد من كونها مؤهلة للقيام بدورها، كما طالب بضرورة وجود سوق للتلوث أسوة بالدول المتقدمة لتقييم أضرار التلوث أو تكاليفها الاجتماعية لكى يدفعها منتج التلوث.
*
وفى الجانب الاجتماعى والثقافى طالب الحزب بمحو الأمية فى نطاق حملة قومية، وبتطوير السياسة التعليمية ومحاربة الإنتاج الفنى والأدبى الهابط، وبحماية الآثار.
*
وفى المجال الأمنى أكد الحزب إيمانه بالارتباط الشديد بين نجاح خطط التنمية الشاملة وبين حالة استقرار المجتمع، فتناول بشكل متميز قضايا حرية التعبير، انضباط الشارع سواء من ناحية المرض أو العنف أو المخدرات أو غسيل الأموال القذرة.
*
وفى المجال الخارجى طرح الحزب رؤتيه وطالب بأن تكون المقومات الاقتصادية الوطنية هى ركيزة الاستراتيجية السياسية للدولة مع تقيم مواقف الدول حسب صادراتها إلينا، إذا ثبت عدم صلاحيتها أو فسادها، وشدد على معاونة البعثات الدبلوماسية بالخارج للمواطن.
ومن حيث أنه يبين من الإيضاحات التى قدمها الحزب طالب التأسيس شرحاً لأوجه التميز المشار إليها أنها لا تتضمن جديداً يمكن أن يتميز به عن برامج الأحزاب الأخرى فهى لا تعدو أن تكون إما اقتباساً لتجارب مرت بها دول أخرى أو مرت بها مصر وإما تأكيد لما هو قائم ومعمول به بالفعل من مبادئ وأساسيات، فما يطالب به الحزب من أهمية دخول المنتجات المصرية دائرة الجودة الشاملة (أيزو 9000) باعتبارها الجسر الرئيسى لاختراض الحواجز التجارية إلى الأسواق العالمية، فهو أمر واقع فعلاً حيث دخلت كثير من المنتجات المصرية مجال التصدير نتيجة استخدام الآلات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، وأن ما يطالب به الحزب من ضرورة إصدار تشريع يجرم الغش التجارى، فإن فى مصر تشريعاً يجرم الغش التجارى منذ نصف قرن من الزمان وقد تم تعديله ليلائم متطلبات نظام آلية السوق فى ظل المنافسة الحرة وتعظيم دور القطاع الخاص.
أما عن دعوة الحزب لإجراء تقييم ودراسة لأحوال القرية المصرية بعناصرها الثلاث (الإنسان – الأرض – الثروة الحيوانية) فإن قراراً كان قد صدر من رئيس الجمهورية رقم 891 لسنة 1973 بإنشاء جهاز بناء وتنمية القرية، ومن بين مهامه إبرام الاتفاقيات مع هيئات أجنبية لتمويل المشروعات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية كما أن الحكومة أعلنت فى بيانها إلى مجلس الشعب فى 31/12/1994 – عن برامجها فى تنمية المحافظات ثم فى تنمية الريف من خلال دعم البيئة الأساسية فى الريف، فضلاً عن أنه تم تعيين وزير – فى التعديل الوزارى الأخير – للتنمية الريفية ومن ثم فإن ما أتى به الحزب طالب التأسيس فيما يتعلق بذلك لا يعدو أن يكون اقتباساً لنظام قائم فعلاً فى مصر.
ومن حيث أنه لا تخرج دعوة الحزب إلى القيام بإنشاء مجلس أعلى يحكم الرقابة والإشراف الدقيق على بنوك الدم وضرورة وجود صندوق للتلوث لتقييم أضرار التلوث وتكاليفها الاجتماعية، فإنه لا يخفى على أحد أن مكافحة التلوث والاهتمام بالبيئة اهتمت به برامج الأحزاب الأخرى مثل الحزب الوطنى وحزب الخضر المصرى، فضلاً عن صدور قانون يحمى البيئة من التلوث بكافة أنواعه وأن القرارات الوزارية العديدة التى صدرت فى هذا المجال لا زالت قائمة ومعمول بها، ومن بين تطبيقاتها أن من يلوث يدفع ثمن تلويثه لأن فى نصوص القانون أو القرارات الوزارية ما يلزم من يلوث أن يدفع ثمن تلويثه متمثلاً فى إزالة آثار التلوث على نفقته وفى تركيب ما يمنع التلوث.
ومن حيث أن ما أورده الحزب طالب التأسيس فى شأن معالجة الأمية غير جديد ذلك أن ثمة جهازاً حكومياً خاصاً هو جهاز محو الأمية، وأن وزارة التربية والتعليم يمكن لها أن تضع برامج خاصة، وجاء برنامج حزب الوفد وأدلى بدلوه فى مشكلة الأمية، وفيما يتعلق برؤية الحزب لمشاكل البحث العلمى فى مصر فإن البرنامج خلا من الأساليب الجديدة أو المتميزة لحل مثل هذه المشاكل وأن ما ذكره الحزب فى هذا الخصوص حول إتاحة فرص نشر للباحثين والدارسين ووضعها موضع التنفيذ وما إلى ذلك فإن ما ينادى به الحزب قد ورد فى برامج العديد من الأحزاب.
ومن حيث أن من بين ما أورده الحزب كنقاط تميز له مطالبته بالحفاظ على الآثار فى إطار جديد لم يسبقه إليه حزب آخر حيث طالب بتعديل التشريعات الخاصة بسرقة ونهب الآثار واسترداد التراث التاريخى المصرى، فإن تعديل التشريعات لا يمكن أن ينظر إليها على أنها من بين نقاط التميز، ذلك أن الدولة فعلاً لا تألوا جهداً فى تعديل القوانين واللوائح المتعلقة بالآثار وأن فى القوانين المعمول بها حالياً، مثل قوانين البناء والإسكان وغيرها، ما يحافظ بشكل عميق على التراث الأثرى، وأنه إذا كان ثمة قصور فى حماية الآثار فليس مرجعه إلا إلى عدم تطبيق القوانين واللوائح بشكل صحيح.
ومن حيث أن ما جاء بمذكرة الطاعن من أنه – فى المجال الأمنى – فإن برنامج الحزب تناول بشكل متميز قضايا حرية التعبير وانضباط الشارع من ناحية المرور أو العنف أو المخدرات، فإن الحزب لم يبين كيفية تناوله للقضايا المطروحة أو أساليب معالجتها، أو الأفكار الجديدة التى تعمق من حرية التعبير، وتتصدى لحل أزمة المرور وإزالة العنف من الشارع المصرى بأكثر مما هو قائم فعلاً.
ومن حيث أن ما يطالب به الحزب – فى المجال الخارجى – من أن تشدد الحكومة على المسئولين فى البعثات المصرية فى الخارج بمعاملة المواطنين معاملة كريمة وتقديم العون لهم، لا يمكن أن يكون ذلك من عناصر التميز فى برنامج الحزب، ذلك أنه من الطبيعى أن تسعى وزارة الخارجية والمسئولون فيها إلى مراعاة ما يقوله الحزب طالب التأسيس مراعاة كاملة، وأنه إذا كان يوجد خروجاً على مثل هذه المبادئ، فإن العقاب يلحق بشخص المقصر، ومن ناحية أخرى فلا وجه لما يدعيه الحزب طالب التأسيس من أن ما يطلب به من ضرورة تعامل الحكومة مع النظام الاقتصادى الدولى بما لا يقلل من هيبة واحترام الشخصية المصرية ورفض إملاء الشروط التى تمارسها بعض الدول والتكتلات الكبرى يمثل رؤية جديدة لم ترد فى برنامج أى من الأحزاب الأخرى، وذلك أنه ليس من شك فى أن مصر ممثلة فى حكومتها تعامل مع النظام الاقتصادى الدولى بما لا يقلل من هيبتها واحترامها من منطلق أنها دولة لها استقلالها وكيانها الذى لا يجوز المساس به وأنها دولة ذات سيادة وهذه كلها من الأمور الطبيعية المتعارف عليها والتى لا تمثل جديداً بل هى من المبادئ المتعارف عليها فى القانون الدولى.
ومن حيث أن ما آثاره الحزب طالب التأسيس من أن مفهوم حماية المستهلك وما يمثله من ترجمة حقيقية وعصرية لمبادئ حقوق الإنسان يجعله منفرداً فى فكره وفلسفته وبرنامج عمله، فمردود عليه بأنه فضلاً عن أن برنامج الحزب ورد خلواً من أى أساليب جديدة أو أفكار جديدة بشأن كيفية حماية المستهلك، فإنه ليس من المستساغ قانوناً أن ينشأ حزب سياسى له برنامج يشمل جميع مناحى المجتمع من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فى الوقت الذى يدعى أنه يكفى أن يكون هدف حماية المستهلك وفقط للقول بأن ذلك الهدف هو مدخله إلى الحياة السياسية والنزول إلى حلبة النضال فى المجتمع.
ومن حيث أنه يبين من كل ما تقدم أن الأفكار التى عرضها الحزب طالب التأسيس فى برنامجه لا تعدو أن تكون شعارات حماسية وردت فى أقوال إنشائية، ولا تتوافر فيها الجدية الواجبة ولا يتحقق من ورائها أى جدوى ظاهرة وتفتقر إلى تحديد وسائل تحقيقها حتى يمكن الحكم على مدى جديتها وجدواها.
ومن حيث أنه بناء على ذلك فإن البرنامج المقدم من الحزب طالب التأسيس يفتقر إلى ملامح الشخصية الحزبية المتميزة التى تشكل إضافة جادة للعمل السياسى ما يجعله غير جدير بالانتماء إلى حلبة النضال السياسى مع باقى الأحزاب القائمة، وإذ انتهت لجنة الأحزاب إلى ذلك وأصدرت قرارها بالاعتراض على الطلب المقدم من السيد/ ............ بتأسيس حزب حماية المستهلك فإنها تكون قد أصابت الحق فيما انتهت إليه ويكون النعى على قرارها بعدم صحته خليقاً بالرفض.
ومن حيث أن الطاعن قد خسر طعنه فإنه يلزم بمصروفاته.

*
فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وألزمت الطاعن المصروفات.