الطعن رقم 3018 لسنة 41 بتاريخ : 1998/07/25 الدائرة الرابعة

_________________________

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق عبد السلام شعت رئيس نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادية الأساتذة المستشارين منصور حسن على غربى، أبو بكر محمد رضوان، غبريال جاد عبد الملاك، سعيد أحمد برغش نواب رئيس مجلس الدولة

*
الإجراءات

في يوم الأربعاء الموافق 17/5/1995 أودع الأستاذ/ ....... المحامي بصفته وكيلاً عن الطاعن/ .... قلم كتاب هذه المحكمة تقرير طعن قيد برقم 3018 لسنة 41ق ع في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بطنطا بجلسة 19/3/1995 في الدعوى رقم 56 لسنة 20 قضائية والقاضي بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً.
وطلب الطاعن- للأسباب المبينة بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلاً وإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من رفض الطعن في القرار الإداري بمجازاته بخصم خمسة أيام من رابته والقضاء بإلغاء هذا القرار ما يترتب عليه من آثار وبراءته من الاتهام المسند إليه.
وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه- للأسباب المبينة به- الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار رقم 1064 لسنة 1991 فيما تضمنه من مجازاة الطاعن بخصم أجر خمسة أيام من راتبه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة جلسة 9/7/1997 وبجلسة 27/8/1997 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا الدائرة الرابعة وحددت لنظره جلسة 25/10/1997، وتدول الطعن بجلسات المحكمة على النحو الثابت بمحاضرها إلى أن قررت المحكمة بجلسة 28/3/1998 حجز الطعن للحكم فيه بجلسة اليوم 25/7/1998 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

*
المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.
من حيث إنالطعن قد استوفى سائر أوضاعه الشكلية المقررة، ومن ثم يكون مقبولاً شكلاً.
ومن حيث إنعناصر المنازعة تتحصل حسبما يبين من الأوراق، في أن الطاعن/ ....... أقام الطعن رقم 56 لسنة 20ق أمام المحكمة التأديبية بطنطا طالباً الحكم بإلغاء القرار رقم 164 لسنة 1991 فيما تضمنه من مجازاته بخصم خمسة أيام من راتبه وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الهيئة العامة للتأمين الصحي المطعون ضدها بأن تؤدي له تعويضاً 5000 جنيه.
وقال شرحاً لطعنه أنه يشغل وظيفة أخصائي أول مسالك بولية بالتأمين الصحي فرع طنطا وأن الهيئة دأبت على توقيع جزاءات بالخصم من أجره مما حدا به إلى إقامة الطعن رقم 163 لسنة 18ق أمام المحكمة التأديبية بطنطا والتي أصدرت حكمها بجلسة 30/1/1991 بإلغاء القرارات الصادرة بمجازاته، وبعد ذلك فوجئ بقرار الهيئة المطعون فيه بمجازاته بخصم خمسة أيام من رابته بدعوى الإدلاء بتصريحات لجريدة المساء في حين أن ما ورد على لسانه بصحيفة المساء كان متفقاً والواقع إذ ورد على لسانه أن الهيئة دأبت على مجازاته على خلاف حكم القانون وهو ما أكدته المحكمة التأديبية بطنطا في الطعن رقم 163 لسنة 18ق المشار إليه الأمر الذي يقطع بأن هذا القرار غير قائم على سبب يبرره.
وبجلسة 19/3/1995 أصدرت المحكمة التأديبية بطنطا الحكم المطعون فيه القاضي بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً، وقد اقامت المحكمة قضاءها على أن الهيئة العامة للتأمين الصحي اتهمت الطاعن/ ............ أخصائي مسالك بولية بفرع طنطا بالخروج على مقتضى الواجب الوظيفي لإدلائه بأقوال بجريدة المساء دون إذن كتابي من الهيئة وذلك بأن جاء على لسانه بجريدة المساء أن التعسف من مدير التأمين الصحي أصبح ظاهرة تهدد جميع الأطباء وتم نقل كل من الأطباء/ ..... و..... و..... وألغى التعاقد مع الطبيب/ .......، وهذه القرارات لها أثر سلبي على الخدمة الطبية المقدمة في التأمين الصحي عموماً وأنه يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في هذه الوقائع وبسؤال الطبيب الطاعن اعترف بالأقوال التي وردت في جريدة المساء على لسانه واضاف أن مدير فرع وسط الدلتا هو المسئول عن التعسف الإداري الذي لحق بأبناء الهيئة من الأطباء وأنه ترك خدمة المرضى وتفرغ للتعسف والإرهاب وأنه قام بالنشر في جريدة رسمية وذلك بعد قيامه بتقديم الكثير من الشكاوى لرئيس مجلس إدارة الهيئة وما وصل إليه الفرع من سوء وإزاء ثبوت تلك المخالفات في حقه أصدرت الهيئة المطعون ضدها القرار المطعون فيه بمجازاة الطاعن بخصم خمسة أيام من راتبه واستطرد الحكم المطعون فيه أنه لما كان ما نسب للطاعن من خروجه على مقتضى الواجب الوظيفي لإدلائه بأقوال بجريدة المساء دون إذن كتابي من الهيئة ثابتاً قبله يقيناً من واقع اعترافه بالتحقيقات الإدارية التي أجريت معه الأمر الذي يشكل في حقه مخالفة تأديبية قوامها الخروج على مقتضيات الواجب الوظيفي والإخلال بحسن سير العمل حيث إنالطاعن أتى فعلاً من الأفعال التي حظرتها المادة 77 من القانون رقم 47 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين المدنيين بالدولة والتي قضت بأن يحظر على العامل:....................
أن يفضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر إلا إذا كان مصرحاً له بذلك كتابة من الرئيس المختص وإذ صدر القرار المطعون فيه بمجازاته بخصم خمسة أيام من أجره عن ذلك فإنه يكون قد صدر مطابقاً للقانون وقام على سببه المبرر له ولا مطعن عليه.
ومن حيث إنمبنى الطعن في الحكم المطعون عليه أنه أخطأ في تفسير القانون وتأويله مما أدى به إلى تطبيق القانون تطبيقاً غير سديد على سند من القول أن المحظور على العامل هو الإفضاء بتصريح أو بيان عن أعمال ويفته إلا إذا كان مصرحا له بذلك كتابة من الرئيس المختص أما شكوى العامل من وضعه الوظيفي في بيان أو تصريح بذلك لا يدخل في نطاق هذا الحظر ولا يلزم لإجازته التصريح به مسبقاً ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد خالف القواعد المقررة للحريات فى الدستور و القانون لأن ما أب
اه الطاعن بالصحيفة المشار إليها لم يخالف الواقع والحقيقة وقصد به المصلحة العامة ولم يكن سيء النية ولم يستهدف الإضرار برئيسه بل إن نقد الطاعن لرئيسه يمثل مصلحة عامة وبالتالي يكون الحكم المطعون فيه قد جاء مشوباً بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والفساد البين في الاستدلال.
ومن حيث إنه إذ كان الأصل الذي كفله الدستور في المادة 47 منه هو أن حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، وكذلك ما كفله الدستور في المادة 48 من أن حرية الصحافة والطباعة والنشر في وسائل الإعلام مكفولة، وإذا كان الأصل الذي كفله الدستور في هذين النصين هو كفاية حرية الرأي والتعبير والنقد، فقد قيد الدستور هذا الحق كغيره من الحقوق العامة بأن تكون ممارسته في حدود القانون، فإذا كان قانون العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسن 1978 قد نظم في المادة 77 منه ممارسة الموظف العام لحق إبداء الرأي والتعبير والنقد من خلال وسائل الإعلام وحظر على العامل أن يقضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر إلا إذا كان مصرحاً له بذلك كتابة من الرئيس المختص وحظر عليه أيضاً أن يفشي الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك.
ومن حيث إن المخالفة المستندة إلى الطاعن أنه أدلى بتصريحات للنشر بجريدة المساء مؤداها أن تعسف مدير التأمين الصحي فرع طنطا أصبح ظاهرة تهدد جميع الأطباء وتم نقل العديد من الأطباء (وقد ذكرت أسماؤهم تفصيلاً) وأنه يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في هذه الوقائع وأنه أقر في التحقيقات الإدارية التي أجريت معه بالأقوال التي وردت في جريدة المساء على لسانه وأن مدير التأمين الصحي فرع طنطا قد ترك بذل الجهد في خدمة المرضى وتفرغ للتعسف وإرهاب العاملين وأنه قام بالنشر في جريدة المساء وذلك بعد قيامه بتقديم الكثير من الشكاوى لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي واحاطته بما لحق الفرع من سوء الخدمة.
والبين مما تقدم أن ما أتاه الطاعن لا يدخل في نطاق ما حظره المشرع في الإفضاء بتصريح أو بيان عن مجال وظيفته إلا إذا كان مصرحاً به كتابة من الرئيس المختص أو أفشى أمراً من الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك ولكن ما آتاه من تصريحات لجريدة المساء هو في حقيقته تظلم أو شكوى للجهات الرئاسية عبر من خلاله عن تظلمه أو تصوره ظلماً لحق به وأن ما أبداه في هذا الشأن له صدى من الواقع والحقيقة ولم تكن تلك الوقائع وليدة اختلاف والثابت من التحقيقات أن الجهة الإدارية لم تقدم ما يفيد ثبوت عدم صحة تلك الوقائع أو نفيها بل أنه جاء بالأوراق أن هذا المدير قد تم نقله من مكانه عقب نشر هذه الوقائع بجريدة المساء وكأثر مباشر لهذا النشر، ومن المسائل المستقر عليها في هذه المحكمة أن الإبلاغ عن المخالفات التي تصل إلى علم أي من العاملين بالدولة أمر مكفول بل هو واجب توخياً للمصلحة العامة ولو كانت تمس الرؤساء بيد أنه عند الإبلاغ عن هذه المخالفات أو التظلم منها ألا يخرج عن مقتضيات الوظيفة من توقير الرؤساء واحترامهم وأن يكون قصده من الإبلاغ عن المخالفات المبلغ عنها توصيلاً إلى الحد منها لا مدفوعاً بشهوة الإضرار بالرؤساء أو الزملاء والكيد لهم أو الطعن في نزاهتهم على غير أساس من الواقع.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم فإن ما أورده الطاعن في تصريحاته لجريدة المساء لا يمثل خروجاً منه على مقتضيات واجب وظيفته في ظل الظروف والملابسات التي جرت فيها وفي ضوء مراعاة التأثير النفسي الواقع على الطاعن نتيجة الاتهامات المتلاحقة من رئاسته وقد كشف الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بطنطا في الطعن رقم 163 لسنة 18ق المشار إليه عدم صحتها ومن ثم يكون القرار الصادر بمجازاته بخصم خمسة أيام من أجره لما اقترفه من مخالفة لم يستخلص استخلاصاً سائغاً من وقائع تنتجه مما يتعين معه القضاء بإلغائه مع ما يترتب على ذلك من آثار، فإذا ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب يكون قد استخلص إدانة الطاعن استخلاصاً غير سائغ.
ومن حيث إنه مما يعيب أياً من القرار التأديبي والحكم التأديبي أن يكون مستخلصاً استخلاصاً غير سائغ من الأوراق، فإن كلاً من القرار التأديبي المطعون فيه والحكم المطعون فيه وقد أحتويا هذا العيب يكونان واجبي الإلغاء.

*
فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء القرار التأديبي المطعون عليه مع ما يترتب عل ذلك من آثار.