جلسة ١٦ مايو سنة ١٩٩٢
برئاسة السيد المستشار الدكتور / عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: محمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وعبد الرحمن على وعبد الرحمن نصير ومحمد على عبد الواحد والدكتور عبد المجيد فياض أعضاء
وحضور السيد المستشار / السيد عبد الحميد عماره المفوض
وحضور السيد / رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
قاعدة رقم (١٦)
القضيتين رقمي: 6 لسنة ١٣ قضائية، 9 لسنة ١١ قضائية، تنازع.
1 - دعوى الفصل في تنازع الاختصاص الايجابي، مناط قبولها..
مناط قبول هذه الدعوى هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتي قضائيتين ولا تتخلى احداهما عن نظرها.
2 - منازعات الحراسة، قرار سابق بالتفسير - عدم سريان الاحالة إلى محكمة القيم على طعون النقض..
سبق أن قررت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ ١٢ أبريل سنة ١٩٨٨ في طلب التفسير رقم 1 لسنة ٥ قضائية، أن المنازعات المتعلقة بالحراسات والتي قضت الفقرة الأولى من المادة 6 من القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٨١ بتصفي الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة باحالتها إلى محكمة القيم، لا تشمل الطعون المطروحة على محكمة النقض في الأحكام النهائية الصادرة في تلك المنازعات.
3- تفسير تشریعی، قرار المحكمة الدستورية العليا - كاشف..
قرارات المحكمة الدستورية العليا في شأن تفسير النصوص القانونية تفسير تشريعيا - تندمج في هذه النصوص، باعتبارها كاشفة عن المعنى المقصود منها ومن ثم تأخذ حكمها وتكون لها قوتها، ولا تكون لهذه النصوص - ومنذ اقرارها أو اصدارها.. غير المعنى الذي خلص اليه قرار التفسير.
4 - تفسير تشريعي - - قوته الملزمة..
تقيد الكافة بقرارات المحكمة الدستورية العليا في شأن التفسير التشريعي ونزول كل سلطة على مقتضاه - وجوب الفصل في الدعوى المطروحة على ضوء هذا التفسير.
1 - إن مناط قبول دعوى الفصل في تنازع الاختصاص الايجابي، وفقا للبند ه ثانيا، من المادة ٢٥ من قانون المحكمة الدستورية العليا الصدار بالقانون رقم ٤٨ لسنة ۱۹۷۹ هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي ولا تتخلى إحداهما عن نظرها.
۲ - تنص الفقرة الفقرة الأولى من من ا المادة السادسة من القانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٨١ بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة ، على أن ، تختص محكمة القيم المنصوص عليها في قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة ۱۹۸۰ دون غيرها ، بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها في قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم ٩٥ لسنة ۱۹۸۰ دون غيرها ، بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها في المادة السابقة ، وكذلك المنازعات الأخرى المتعلقة بالحراسات التي فرضت قب العمل بالقانون رقم ٣٤ لسنة ۱۹۷۱ بتنظيم سلامة الشعب أو المتربة عليها ، وتحال اليها جميع المنازعات المطروحة على المحاكم الأخرى بجميع درجاتها وذلك بقرار من رئيس المحكمة مالم يكن قد قفل فيها باب المرافعة قبل العمل بأحكام هذا القانون ، وقد سبق للمحكمة الدستورية العليا - وفى نطاق ولايتها في مجال التفسير التشريعي - أن قررت بتاريخ ۱۲ أبريل سنة ۱۹۸۸ في طلب التفسير رقم ٢ لسنة ٥ قضائية تفسير ، أن المنازعات المتعلقة بالحراسات والتي تقضى الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٨١ المشار اليه باحالتها إلى محكمة القيم ، لا تشمل الطعون المطروحة على محكمة النقص في الأحكام النهائية الصادرة في تلك المنازعات ، وقد صدر قرارها في طلب التفسير المشار اليه محمولا على نظر حاصله ، ان المنازعات التي تنص الفقرة الأولى سالفة السان على احالتها إلى محكمة القيم هي تلك المنازعات الموضوعية التي تدور حول تقرير الحق أو نفيه ، ولا تندرج تحتها خصومة الطعن بالنقض ، وهي من طرق الطعن. غير العادية، ذلك أنها لا تطرح ذات الخصومة التي كانت مرددة بين أطرافها أمام محكمة الموضوع بل يثير الطعن بالنقض خصومة لها ذاتيتها الخاصة تدور حول صحة تطبيق القانون على الوقائع التي خلص اليها الحكم المطعون فيه وأثبتها، ولا تتوخى كقاعدة عامة احلال حكم جديد محل الحكم المطعون فيه، بل يقتصر الأمر فيها على أن تبحث محكمة النقض - في أحوال محددة على سبيل الحصر – مدى توافق هذا الحكم مع التطبيق الصحيح للقانون. وقد أوردت الفقرة الأولى المشار اليها استثناء من الاحالة إلى محكمة القيم ينصرف إلى الدعاوى التي قفل فيها باب المرافعة، ومن ثم ينسحب هذا الاستثناء - من باب أولى - إلى الدعاوى التي تم الفصل فيها بحكم نهائي. ومن جهة أخرى ، فان القول بأن الاحالة المنصوص عليها في اللقرة الأولى المشار اليها تتناول الطعون المقامة أمام محكمة النقض ، مؤداه الحتمي أن تخول محكمة القيم نظر الموضوع من جديد إذا أحيل اليها الطعن بحالته من محكمة النقض ، بما ينطويلاً عليه ذلك من إسقاط للأحكام النهائية التي سبق صدورها في هذا الموضوع ، وهو أمر لا يملكه المشرع ولا يتصور أن تكون ارادته قد اتجهت اليه ، لخروجه عن حدود ولايته التي بينها الدستور ، والتي لا تمتد بحال إلى اهدار الأحكام القضائية - ولو لم تكن نهائية - بإنهاء آثارها القانونية ، ذلك أن الدستور كفل - بنص المادة ١٦٥ منه - للسلطة القضائية استقلالها في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وجعل هذا الاستقلال عاصما من التدخل في أعمالها أو التأثير في مجرياتها باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية ، وأن عرقلتها أو إعاقتها على أى وجه عدوان على ولايتها الدستورية سواء بنقضها أو بالانتقاص منها ، ومن ثم تظل لأحكامها - ولو لم تكن نهائية - حجينها ، وهي حجية لا يستطيع المشرع أن يسقطها على ما سلف البيان ، كما أن مجرد الطعن بالنقض في الأحكام النهائية لا ينال منها ، ذلك أن هذا الطعن لا يترتب عليه في الأصل اعادة عرض النزاع من جديد على محكمة النقض ، ولا يؤثر بذاته في قوة الأمر المقضى التي تحوزها الأحكام النهائية ، بل تظل هذه القوة - التي تعلو على اعتبارات النظام العام - ملازمة لها ولا تزايلها أو تنحسر عنها الا بنقض الحكم المطعون فيه .
3 - متى كان القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بتفسير نص الفقرة الأولى من المادة ٦ من القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ۱۹۸۱ المشار اليها - قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ ١٤ من أبريل سنة ۱۹۸۸، وكانت قرارات هذه المحكمة في شأن تفسير النصوص التشريعية، سواء في ذلك تلك التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي أصدرها رئيس الجمهورية في شكل قرار بقانون وفقا لأحكام الدستور ، لا تنفصل عن النصوص التي تقوم بتفسيرها ، بل تندمج فيها ، باعتبارها كاشفة عن المعنى المقصود منها ، ومحددة بالتالي لمضامينها ، ومن ثم تأخذ حكمها وتكون لها قوتها ، ذلك أن المحكمة انما تتناول النصوص التشريعية محل التفسير التصدر فى شأنها تفسيرا تشريعيا ملزما ، يكون بذاته كاشفا عن المقاصد الحقيقية المبتغاه من وراء تقريرها منظورا في ذلك ، لا إلى الارادة المتوهمة أو المفترضة للسلطة التي أقرتها أو أصدرتها ، بل إلى مقاصدها الحقيقية التي يفترض في هذه النصوص أن تكون معبرة عنها مبلورة لها محمولة عليها ، ولا تعدو مهمة المحكمة في مجال تفسير النصوص التشريعية حد النزول على هذه المقاصد - التي يفترض في هذه النصوص أنها تعكسها وتكشف عنها - وذلك من خلال المعنى الذي حددته المحكمة نطاقا لمضمون كل منها . وبالتالي لا يعتبر قررا المحكمة بتفسير نص تشريعي معين، منشئا حكما جديدا، أو مبتدعا لقاعدة قانونية منقطعة الصلة بمحيطها، بل ملتزما المقاصد التي توخى المشرع بلوغها من وراء تقريره كي يحمل النص بعد تفسيره حملا على المعنى الذي تضمنه قرار التفسير، ومن ثم لا يكون لهذا النص - ومنذ اقراره أو اصداره - وعملا بالطبيعة الكاشفة لقرار التفسير - غير المعنى الذي خلص اليه هذا القرار.
4 - قرارات المحكمة في شأن التفسير التشريعي ملزمة للكافة، وعلى كل سلطة في الدولة أن تنزل على مقتضاها، وذلك إعمالا لمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه في المادة ٦٤ من الدستور وتطبيقا للمادة ٤٩ من قانون هذه المحكمة التي تنص على أن قراراتها بالتفسير ملزمة للكافة وللدولة سواء بسواء.
الاجراءات
بتاريخ ٢ أكتوبر سنة ۱۹۸۹ أودع المدعون صحيفة الدعوى رقم 9 لسنة ١١ قضائية: تنازع، طالبين الحكم بتعيين جهة القضاء المختصة بنظر الطعن بالنقص رقم ١٥١٣ لسنة ٥١ ق والمقيد بجدول محكمة القيم برقم 8 لسنة 1 ق وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم ٩٨ لسنة ٩ ق قيم عليا، وبتاريخ ٢٤ أغسطس ١٩٩١ أودع المدعون أنفسهم صحيفة الدعوى رقم ٦ لسنة ١٣ قضائية تنازع عن الموضوع ذاته منتهية في ختامها إلى عين الطلب سالف البيان.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة في كل من الدعويين، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.
وبعد تحضير الدعويين، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها في كل منهما.
ونظرت الدعويان على الوجه المبين بمحضر الجلسة، حيث قررت المحكمة ضم الدعوى الثانية إلى الدعوى الأولى واصدار الحكم فيهما بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفتي الدعويين وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعين كانوا قد أقاموا الدعوى رقم ٥٥٣٣ لسنة ١٩٧٧ كل جنوب القاهرة ضد المدعى عليهم، وقالوا بيانا لها أن القرار الجمهوري رقم ٣٦٠ لسنة ١٩٦٣ فرض الحراسة على العقار رقم .... شارع ...... ب..... الذي يملكون في كامل أرضه ومبانيه ۱۸ قيراطا ، ثم قام الحارس العام ببيع هذا العقار إلى الشركة المصرية لإعادة التأمين ، بمقتضى عقد البيع المشهر برقم ١٧٥ في ٢٢ يناير سنة ۱۹۷۰ توثيق القاهرة ، وأنه لما كان القرار المذكور قد وقع منعدما في كل الآثار التي ربتها ، فقد أقاموا دعواهم سالفة البيان طالبين الحكم أصليا ببطلان عقد البيع الابتدائي المؤرخ ١ من يناير سنة ١٩٦٤ والمشهر برقم ١٧٥ في ٢٢ من يناير سنة ۱۹۷۰ مع تسليمهم الحصص المبيعة ، واحتياطيا الزام الشركة المصرية لإعادة التأمين بتصحيح ثمن الحصص المبيعة بموجب عقد البيع محل النزاع إلى مبلغ ١٤٩٨٤٠,١٠٠ جنيها وبأن تدفع لهم هذه الشركة مبلغ ١٠٤٣٩,١٦٠ جنيها . واذ أجابتهم محكمة جنوب القاهرة إلى طلبهم الاحتياطي وذلك بحكمها الصادر بتاريخ ٣٠ من مايو سنة ۱۹۷۸، فقد استأنفته الشركة المذكورة، كما أستأنفه المدعون، وبعد ضم الاستئنافين قضت محكمة استئناف القاهرة بتاريخ ۲۰ من أبريل سنة ۱۹۸۱ بإلغاء الحكم المستأنف ببطلان عقد البيع المشهر برقم ١٧٥ في ٢٠ من يناير سنة ۱۹۷۰ وذلك فيما تضمنه من بيع حصص المدعين إلى الشركة المصرية لإعادة التأمين وبعدم سريان هذا البيع في حقهم وتسليمهم الحصص المبيعة. واذ لم ترفض الشركة ذلك الحكم فقد نعت عليه - بالطعن رقم ١٥١٣ لسنة ٥١ ق المرفوع منها إلى محكمة النقض - مخالفته القانون، طالبة بصفة مستعجلة الحكم بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى يقضى في موضوع الطعن، الا أن محكمة النقض لم تجبها إلى طلبها، ثم أحيل الطعن إلى محكمة القيم اعمالا لنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القانون رقم ١٤١ لسنة ۱۹۸۱ بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة حيث
قيد برقم 8 لسنة 1 : قضائية ، قيم ، ودفع المدعون بعدم اختصاص محكمة القيم ولائيا بنظر هذا الطعن بمقولة أن الاختصاص بالفصل فيه منعقد لمحكمة النقض دون غيرها ، وقد قبلت محكمة القيم هذا الدفع بحكمها الصادر في ٢٥ من أكتوبر سنة ۱۹۸۱ مما حدا بكل من الشركة المدعى عليها الأولى وهيئة قضايا الدولة إلى الطعن فيه أمام المحكمة العليا للقيم التي قضت بتاريخ ۱۳ فبراير سنة ۱۹۸۲ بإلغاء الحكم المطعون فيه وباختصاص محكمة القيم بنظر الدعوى واعادتها اليها للفصل في موضوعها ، واذ أعيد عرض الدعوى على محكمة القيم ، فقد عاود المدعون الدفع بعدم اختصاص محكمة القيم ولائيا بنظره ، وبإحالة النزاع إلى محكمة النقض ، فقضت محكمة القيم بتاريخ ۱۷ من يونية سنة ۱۹۸۹ برفض الدفع وبسقوط الخصومة ، ولم يرتض المدعون هذا الحكم فطعنوا فيه أمام المحكمة العليا للقيم حيث قيد طعنهم برقم ۹۸ لسنة ٩ ، قضائية ، قيم عليا ، واذ ارتأى المدعون أن كلا من جهتي القضاء - محكمة النقص ومحكمة القيم - لم تتخل احداهما عن نظر الطعن المشار اليه ، فقد أماموا بتاريخ ٢ من أكتوبر سنة ۱۹۸۹ الدعوى رقم 9 لسنة ١١ قضائية ( تنازع ، أمام هذه المحكمة طالبين الحكم بتعيين جهة القضاء المختصة بنظر الطعن رقم ١٥١٣ لسنة ١٩٥١ والمقيد بجدول محكمة القيم برقم ١٨ لسنة 1 قضائية ، وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم ۹۸ لسنة 9 قضائية قيم عليا ، وأرفقوا بصحيفة دعواهم شهادتين أولاهما صادرة من المحكمة العليا للقيم وثانيتهما من محكمة النقض ، وتفيد كل منهما أن الطعن المذكور لم تحدد له جلسة حتى تاريخ تحرير الشهادة في أول أكتوبر سنة ۱۹۸۹ . كما أقام المدعون أيضا بتاريخ ٢٤ أغسطس سنة ١٩٩١ الدعوى رقم 6 لسنة ١٣ قضائية تنازع أمام هذه المحكمة عن الموضوع ذاته، وعلى الخصوص أنفسهم، وبالطلبات عينها الواردة في الدعوى رق 9 لسنة ۱۱ قضائية: تنازع سالفة البيان، وقد قررت المحكمة ضم الدعوى الثانية إلى الدعوى الأولى ليصدر فيهما حكم واحد.
وحيث إن مناط قبل دعوى الفصل في تنازع الاختصاص الايجابي، وفقد للبند. ثانيا، من المادة ٢٥ من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ۱۹۷۹ هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي ولا تتخلى احداهما عن نظرها.
وحيث إن الثابت من الأوراق أن الخصومة الناشئة عن الطعن بالنقض المقيد برقم ١٥١٣ لسنة ٥١ قضائية، في الحكم الصادر من محكمة استئناف القاهرة بتاريخ ۲۰ من أبريل سنة ۱۹۸۱ في الاستئنافين رقمي ٥٦١٣ لسنة ٩٦ قضائية ، ٤٦ لسنة ٩٧ قضائية القاهرة ، هي ذاتها المرددة أمام محكمة القيم والمقيدة بجدولها برقم ١٨ لسنة ١ ( قضائية ، قيم ، ولا تزال هذه الخصومة قائمة أمام هاتين الجهتين في أن واحد ، حيث سبق للمحكمة العليا للقيم أن قضت بتاريخ ١٣ من فبراير سنة ۱۹۸۲ في الطعن رقم ۹۸ لسنة ٩ : قضائية : قيم عليا باختصاص محكمة القيم بنظر الدعوى وبإعادتها اليها للفصل في موضوعها ، بينما قضت محكمة النقض في الشق المستعجل من الطعن برفض طلب وقف تنفيذ الحكم الاستئنافي المطعون فيه ولم تحدد بعد جلسة لنظر الموضوع ، وهو ما يفصح عن تمسك كل من هاتين الجهتين بنظر واقعة النزاع المائل وأن مناط قبول الفصل في تنازع الاختصاص الايجابي قد تحقق في شأنها.
وحيث إن القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ۱۹۸۱ ينص في الفقرة الأولى من المادة السادسة منه على أن : تختص محكمة القيم المنصوص عليها في قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم ٩٥ لسنة ۱۹۸۰ دون غيرها بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها في المادة السابقة ، وكذلك المنازعات الأخرى المتعلقة بالحراسات التي فرضت قبل العمل بالقانون رقم ٣٤ لسنة ۱۹۷۱ بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب أو المترتبة عليها ، وتحال اليها جميع المنازعات المطروحة على المحاكم الأخرى بجميع درجاتها وذلك بقرار من رئيس المحكمة مالم يكن قد قفل فيها باب المرافعة قبل العمل بأحكام هذا القانون . .
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن كشفت بقرارها الصادر بتاريخ ١٢ أبريل سنة ۱۹۸۸ في طلب التفسير المقيد بجدولها برقم ٢ لسنة ٥ قضائية عن المقصود بنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٨١ وذلك بما قررته هذه المحكمة من.. أن المنازعات المتعلقة بالحراسات والتي أحالتها الفقرة الأولى المشار اليها إلى محكمة القيم لا تشمل الطعون المطروحة أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة في تلك المنازعات.. وقد صدر قرارها في هذا الطلب محمولا على نظر حاصله، أن المنازعات التي تنص الفقرة الأولى سالفة البيان على احالتها. إلى محكمة القيم هي تلك المنازعات الموضوعية التي تدور حول تقرير الحق أو نقيه، ولا تتدرج تحتها خصومة الطعن بالنقض التي تعتبر طريق طعن غير عادي لا يؤدى إلى طرح ذات الخصومة التي كانت مرددة بين أطرافها أمام محكمة الموضوع بل إلى طرح خصومة أخرى لها ذاتيتها الخاصة تدور حول صحة تطبيق القانون على الوقائع التي خلص اليها الحكم المطعون فيه وأثبتها، ولا تستهدف كقاعدة عامة احلال حكم جديد محل الحكم المطعون فيه، بل يقتصر الأمر فيها على أن تبحث محكمة النقض - وفى أحوال محددة على سبيل الحصر - مدى توافق هذا الحكم مع التطبيق الصحيح للقانون. هذا إلى أنه وقد استثنى المشرع من الاحالة إلى محكمة القيم طبقا لنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القانون المشار اليه، الدعاوى التي قفل فيها باب المرافعة، فان هذا الاستثناء ينسحب من باب أولى إلى الدعاوى التي تم الفصل فيها بحكم نهائي. ومن جهة أخرى ، فان القول بانصراف أثر الاحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى المذكورة إلى الطعون المقامة أمام محكمة النقض ، مؤداه الحتمي أن تخول محكمة القيمة نظر الموضوع من جديد إذا أحيل اليها الطعن بحالته من محكمة النقض ، بما ينطوي عليه ذلك من اسقاط للأحكام النهائية التي سبق صدورها في هذا الموضوع، وهو أمر لا يملكه المشرع ولا يتصور أن تكون ارادته قد اتجهت اليه ، لخروجه عن حدود ولايته التي بينها الدستور والتي لا تمتد بحال إلى اهدار الأحكام القضائية - ولو لم تكن نهائية - بأنهاء آثارها القانونية ، ذلك أن الدستور كفل - بنص المادة ١٦٥ منه - للسلطة القضائية استقلالها في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية وجعل هذا الاستقلال عاصما من التدخل في أعمالها أو التأثير في مجرياتها باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية وأن عرقلتها أو اعاقتها على أي وجه عدوان على ولايتها الدستورية سواء بنقضها أو بالانتقاص منها ، ومن ثم نظل لأحكامها - ولو لم تكن نهائية - حجيتها ، وهي حجية لا يستطيع المشرع أن يسقطها على ما سلف البيان ، كما أن مجرد الطعن بالنقض في الأحكام النهائية لا ينال منها ، ذلك أن هذا الطعن لا يترتب عليه في الأصل اعادة عرض النزاع من جديد على محكمة النقض ، ولا يؤثر بذاته في قوة الأمر المقضي التي تحوزها الاحكام النهائية ، بل تظل هذه القوة - التي تعلو على اعتبارات النظام العام - ملازمة لها ولا تزايلها أو تنحسر عنها بنقض الحكم المطعون فيه . .
متى كان ذلك، وكان القرار الصادر عن هذه المحكمة بتفسير نص الفقرة الأولى المشار اليها قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ ١٤ من أبريل سنة ١٩٨٨، وكانت قرارات هذه المحكمة في شأن تفسير النصوص التشريعية سواء في ذلك تلك التي أقرتها السلطة التشريعية أو التي أصدرها رئيس الجمهورية في شكل قرار بقانون وفقا لأحكام الدستور ، لا تنفصل عن النصوص التي تقوم بتفسيرها ، بل تندمج فيها ، باعتبارها كاشفة عن المعنى المقصود منها ، ومحددة بالتالي لمضامينها ، ومن ثم تأخذ حكمها وتكون لها قوتها ، ذلك أن المحكمة انما تتناول النصوص التشريعية محل التفسير لتصدر في شأنها تفسيرا تشريعيا ملزما ، يكون بداته كاشفا عن المقاصد الحقيقية المبتغاة من وراء تقريرها منظورا في ذلك ، لا إلى الارادة المتوهمة أو المفترضة للسلطة التي اقرتها أو اصدرتها ، بل إلى مقاصدها الحقيقية التي يفترض في هذه النصوص أن تكون معبرة عنها مبلورة لها محمولة عليها ، ولا تعدو مهمة المحكمة في مجال تفسير النصوص التشريعية حد النزول على هذه المقاصد كي تعكسها هذه النصوص ، من خلال المعنى الذى حددته المحكمة نطاقا لمضمون كل منها . وبالتالي لا يتعبر قرار المحكمة بتفسير نص تشريعي معين منشئا حكما جديدا أو مبتدعا لقاعدة قانونية منقطعة الصلة بمحيطها، بل ملتزما المقاصد التي توخى المشرع بلوغها من وراء تقريره كي يحمل النص بعد تفسيره حملا على المعنى الذي تضمنه قرار التفسير، ومن ثم لا يكون لهذا النص - ومنذ اقراره أو اصداره - وعملا بالطبيعة الكاشفة لقرار التفسير، غير المعنى الذي خلص اليه هذا القرار، ليتقيد الكافة بمقتضاه ولتنزل عليه كل سلطة في الدولة، اعمالا لمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه في المادة ٦٤ من الدستور وتطبيقا للمادة ٤٩ من قانون هذه المحكمة التي تنص على أن قراراتها بالتفسير ملزمة للكافة وللدولة سواء بسواء.
وحيث إن حكم محكمة استئناف القاهرة بتاريخ ۲۰ أبريل سنة ١٩٨١ في الاستئنافين رقمي ٥٦١٣ لسنة ٩٦ ، ٤٦ لسنة ٩٧ : قضائية ، القاهرة قد صدر في منازعة مترتبة على الحراسات التي فرضتها الدولة قبل العمل بالقانون رقم ٣٤ لسنة ۱۹۷۱ بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب ، وهى من المنازعات التي عنتها الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٨١ ، وكان الطعن رقم ١٥١٣ لسنة ٥١ - والمقيد في الوقت ذاته بجدول محكمة القيم برقم ۱۸ لسنة 1 : القضائية ، قيم وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم ۹۸ لسنة ٩ ، القضائية . قيم عليا - قد رفع إلى محكمة النقض وظل مطروحا أمامها إلى أن أدركه القرار بقانون رقم ١٤١ لسنة ۱۹۸۱ المشار اليه، فان الاختصاص بنظره - وعملا بالقرار التفسيري المشار اليه - يكون معقدا لمحكمة النقض دون غيرها.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة - في الدعويين رقمي 9 لسنة ١١، قضائية: ٦ لسنة ١٣، قضائية، تنازع - باختصاص محكمة النقض بنظر الطعن المقيد بجدولها برقم ١٥١٣ لسنة ٥١: قضائية، والمقيد بجدول محكمة القيم برقم ١٨ لسنة ١، قضائية، قيم وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم ۹۸ لسنة ٩، قضائية، قيم عليا.